آخر الأخبار

ماذا تقول ذاكرة البحر الأحمر لترامب حين تطلب الرياض حربًا جديدة على صنعاء؟

شارك

فمنذ أواخر عام 2023، دخلت البحرية الأميركية واحدة من أكثر المواجهات البحرية كثافة في تاريخها الحديث، مع الجيش اليمني وتعاقبت حاملات الطائرات والمدمرات والغواصات والطائرات القتالية على البحر الأحمر وبحر العرب، وأطلقت واشنطن آلاف الذخائر والصواريخ ونفذت موجات متواصلة من الغارات داخل اليمن، فيما ظلت القدرة الصاروخية والطائرات المسيرة لدى صنعاء حاضرة في المعادلة، واستمرت صنعاء في فرض الحظر على الملاحة الصهيونية والامريكية

لهذا حمل قرار ترامب برفض الضربات الجديدة معنى يتجاوز الحسابات السياسية الآنية: واشنطن تعرف هذا الميدان، وقد دفعت فيه ثمنًا عسكريًا ولوجستيًا مرتفعًا من دون الوصول إلى النتيجة التي كانت تبحث عنها.

طلب الرياض جاء في وقت بالغ الحساسية. رويترز ووسائل إعلام أميركية نقلت أن محمد بن سلمان سعى إلى إقناع ترامب باستخدام القوة الأميركية ضد قوات صنعاء، بينما اختارت الإدارة تقديم المعلومات الاستخباراتية وبيانات الاستهداف والمساندة غير القتالية للسعودية، مع إبقاء القوات الأميركية خارج المواجهة المباشرة. وفي الخلفية كانت حرب الولايات المتحدة مع إيران تدخل شهرها السابع، والضغط على مضيق هرمز يستنزف جزءًا مهمًا من القدرات الأميركية في المنطقة بالتالي فان فتح باب المندب كجبهة ثانية يعني توزيع القوة البحرية والجوية الأميركية بين مضيقين، في لحظة تصف فيها رويترز الجيش الأميركي بأنه يعاني ضغطًا متزايدًا واستنزافًا في الموارد.

ذلك القرار يصعب فصله عن التجربة التي بدأت قبل عودة ترامب إلى البيت الأبيض بوقت طويل. ففي أواخر 2023 أرسلت إدارة جو بايدن قوة بحرية كبيرة إلى المنطقة، ثم أعلنت عملية «حارس الازدهار» لحماية الملاحة. ومع مطلع 2024 انتقلت المواجهة إلى مرحلة الغارات الأميركية والبريطانية داخل اليمن، بينما كانت المدمرات الأميركية تخوض اعتراضات شبه يومية للصواريخ والطائرات المسيرة في البحر. ومع مرور الأشهر أصبحت المهمة أطول وأكثر استهلاكًا مما تصور مخططوها في بدايتها، واتضح أن اعتراض التهديدات شيء، وإنهاء مصدرها شيء آخر.

قادة البحرية أنفسهم تحدثوا عن طبيعة المواجهة بلغة نادرة في صراحتها. وكالة أسوشيتد برس وصفتها في يونيو/حزيران 2024 بأنها أكثر المعارك البحرية الأميركية كثافة منذ الحرب العالمية الثانية. قائد المدمرة «لابون» إريك بلومبرغ قال إن السفن كانت تعيش تحت التهديد يوميًا وإن الهجمات كانت متواصلة، بينما شرح قائد يشرف على المدمرات أن السفينة قد تقضي ستة أيام من كل سبعة داخل «منطقة اشتباك الأسلحة»، حيث يمكن لصاروخ بالستي مضاد للسفن أن يصل بعد وقت إنذار محدود للغاية.

المعادلة التي عرضها الضباط كانت قاسية في بساطتها: القوة المدافعة مطالبة بالنجاح كل مرة، بينما يحتاج المهاجم إلى اختراق واحد كي يسبب خسارة كبيرة.

هذه الفجوة بين كلفة الهجوم وكلفة الدفاع تحولت سريعًا إلى قضية أميركية داخلية. «ديفنس نيوز» نقلت أن البحرية قدرت قيمة الذخائر التي أطلقتها في البحر الأحمر بين أكتوبر/تشرين الأول 2023 ومنتصف يوليو/تموز 2024 بنحو 1.16 مليار دولار. صواريخ اعتراضية متطورة ومحدودة المخزون كانت تستخدم ضد أهداف يمكن أن تكون أقل كلفة بكثير، من الطائرات المسيرة إلى الصواريخ المصنعة أو المعدلة بكلفة أدنى من كلفة اعتراضها.

أحد أخطر الأمثلة وقع عندما اقترب صاروخ بالستي من المدمرة «يو إس إس غريفلي» إلى مسافة أجبرتها على استخدام منظومة دفاع قصيرة المدى، في حادثة سلطت الضوء داخل المؤسسة العسكرية الأميركية على الهوامش الضيقة التي أصبحت تعمل فيها السفن.

معركة البحر الأحمر ضغطت كذلك على خارطة انتشار حاملات الطائرات الأميركية. بيانات المعهد البحري الأميركي USNI تظهر أن «نيمتز» أصبحت في يونيو/حزيران 2025 خامس حاملة طائرات تعمل في مسرح القيادة المركزية منذ عودة الانتشار المكثف إلى الشرق الأوسط أواخر 2023. وخلال عام 2024 وحده استحوذت منطقة القيادة المركزية على 41 في المئة من أيام إبحار حاملات الطائرات الأميركية، مقابل 8 في المئة في العام السابق. هذه الأرقام تشرح نوعًا من الكلفة يصعب قياسه بعدد القنابل التي ألقيت على اليمن: كل شهر تقضيه حاملة في البحر الأحمر أو بحر العرب يعني شهرًا لا تقضيه في غرب المحيط الهادئ أو مناطق أخرى يعتبرها البنتاغون أساسية لمنافسة الصين.

وعند التدقيق في المهمة اليمنية نفسها، تشير مجلة Proceedings التابعة للمعهد البحري الأميركي إلى أن أربع مجموعات لحاملات طائرات تعاقبت على المنطقة ضمن جهود ردع وقمع عمليات قوات صنعاء: «دوايت أيزنهاور»، ثم «ثيودور روزفلت»، ثم «أبراهام لينكولن»، ثم «هاري إس ترومان». ومع وصول حاملات أخرى إلى مسرح القيادة المركزية اتسعت الكلفة على جدول انتشار الأسطول كله.

هذا التتابع الطويل يحمل دلالة أكبر من مجرد استعراض القوة؛ فهو يكشف مقدار الموارد التي احتاجتها الولايات المتحدة للإبقاء على وجود قتالي مستمر أمام خصم لا يملك أسطولًا بحريًا تقليديًا ولا قوة جوية تقارن بالقوة الأميركية.

بل ان الضغط امتد إلى الحلقة التي تجعل هذا الانتشار ممكنًا: اللوجستيات. حاملات الطائرات والمدمرات تحتاج إلى الوقود والذخائر والمؤن وهي في البحر، وتعتمد في ذلك على أسطول سفن الإمداد والتزود بالوقود. تقارير مكتب المحاسبة الحكومي الأميركي GAO قدمت صورة غير مريحة عن هذه البنية. فالبحرية الأميركية تستبدل ناقلات الوقود القديمة من فئة «هنري جي. كايزر» بسفن «جون لويس»، بينما اقتربت السفن القديمة من نهاية أعمارها التشغيلية. ووفق بيانات خدمة أبحاث الكونغرس، بقيت 14 ناقلة من فئة كايزر في الخدمة بنهاية السنة المالية 2024، مع خطط لإخراج سبع منها خلال السنوات التالية. وفي الوقت نفسه سجل GAO زيادة تقارب 941 مليون دولار في كلفة برنامج ناقلات «جون لويس»، ضمن سلسلة أوسع من تأخيرات بناء السفن وتضخم التكاليف.

مكتب المحاسبة الحكومي رسم المشكلة على نطاق أوسع في مارس/آذار 2025 عندما قال إن البحرية ضاعفت تقريبًا ميزانية بناء السفن خلال عقدين من دون أن تنجح في زيادة حجم الأسطول، مع تأخيرات متكررة وارتفاع في الأسعار ومشكلات في الجاهزية. وفي تقرير آخر عن السفن السطحية أشار المكتب إلى استمرار نقص قطع الغيار والكوادر المؤهلة وتأجيل أعمال الصيانة. هذه المشكلات اكتسبت وزنًا أكبر عندما تدخل السفن في دوريات قتالية طويلة، وتعمل منظومات الرادار والدفاع الجوي بصورة متواصلة، وتتكرر عمليات الإمداد في البحر، وتستهلك الذخائر بوتيرة أعلى من الحسابات المعتادة زمن السلم.

حتى الأسطول الجوي الداعم كان يواجه ضغوطًا مشابهة. ففي يونيو/حزيران 2026 أفاد GAO بأن أسطول طائرات التزود بالوقود جواً الأميركي ظل أدنى من معايير الجاهزية والقدرة خلال السنوات الأخيرة، مع أعطال متكررة في القطع ومشكلات في سلاسل الإمداد.

وأصبحت المسألة تتجاوز طائرة أو سفينة بعينها؛ العمليات الممتدة فوق اليمن والبحر الأحمر كانت تحتاج إلى منظومة كاملة من الناقلات الجوية وسفن الإمداد والقواعد والطائرات الاستطلاعية ومقاتلات الحماية والذخائر بعيدة المدى. عندما تطول الحرب تتحول هذه المنظومة إلى أحد أهم عناصر القرار السياسي.

وكانت قوات صنعاء قد صممت جزءًا كبيرًا من عملياتها حول استغلال هذه المعضلة. صواريخ بالستية مضادة للسفن، صواريخ مجنحة، طائرات مسيرة بأنواع مختلفة، وإطلاقات يمكن أن تجمع أكثر من مسار تهديد في الوقت نفسه.

الأميرال مارك ميغيز، الذي قاد مجموعة «أيزنهاور» الضاربة، تحدث خلال المواجهات عن التدريب الذي حصلت عليه قوات صنعاء لاستهداف السفن التجارية والسفن الحربية الأميركية. وجود هذا النوع من القدرة فرض على المدمرات الأميركية حالة دفاع جوي مستمرة وأجبر حاملات الطائرات على التعامل مع احتمالات الهجوم المباشر. كذلك قائد المدمرة «لابون» لخّص خطورة ذلك عندما قال إن المهاجم يحتاج إلى نجاح واحد فقط، بينما يتعين على المدافع أن يصيب في كل مرة. هذه العبارة ربما تقدم أفضل تفسير عسكري لحرب غير متكافئة يمكن للقوة الأصغر فيها أن تفرض على خصم أكبر نفقات وحالة تأهب تفوق بكثير كلفة ما تطلقه هي.

المواجهة كذلك سجلت أيضًا حوادث كشفت الضغط العملياتي الذي تعرض له الأسطول. خلال انتشار «هاري إس ترومان» وقع إطلاق نيران صديقة في ديسمبر/كانون الأول 2024 أدى إلى إسقاط مقاتلة F/A-18F بواسطة الطراد «يو إس إس غيتيسبرغ». وفي فبراير/شباط 2025 اصطدمت الحاملة بسفينة تجارية قرب بورسعيد. ثم جاءت حادثة أبريل/نيسان 2025 حين فقدت الحاملة مقاتلة F/A-18E ومركبة سحب من حظيرتها أثناء تنفيذ مناورة تفادٍ استجابة لصاروخ بالستي وارد، بحسب نتائج التحقيقات الرسمية للبحرية الأميركية. هذه الحوادث لا تعني أن صواريخ صنعاء أصابت الحاملة مباشرة، وهي تكشف مقدار الضغط الذي يولده العمل المستمر داخل بيئة تهديد صاروخي حقيقية؛ فحتى المناورة الدفاعية نفسها قد تنتج خسائر مادية كبيرة.

المرحلة الأكثر حدة جاءت بعد عودة ترامب إلى الرئاسة. ففي 15 مارس/آذار 2025 أطلق عملية عسكرية أوسع بكثير من الضربات السابقة. خلال 45 يومًا فقط تحدث USNI عن نحو ألف هدف ضُرب داخل اليمن.

وأصبحت الغارات شبه يومية، وردت صنعاء بإطلاق صواريخ وطائرات مسيرة باتجاه السفن الأميركية وإسرائيل. «فورين بوليسي» وصفت الحملة بعد أسابيع بأنها تتحرك من دون تحقيق أهدافها المعلنة في استعادة حرية الملاحة وردع الحوثيين، واستخدمت صورة «لعبة ضرب الخلد» المكلفة لوصف عملية تستهدف منصات ومخازن يمكن إعادة نشرها أو تعويض جزء منها.

هذه الخلاصة جاءت أيضًا من داخل المؤسسة العسكرية. قائد الأسطول الخامس آنذاك، نائب الأدميرال جورج ويكوف، قال خلال نقاش في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية إن حل أزمة البحر الأحمر «لن يأتي في نهاية منظومة سلاح»، مشيرًا إلى أن الاستقرار السياسي والدبلوماسي جزء أساسي من أي حل يعيد شركات الشحن إلى المنطقة. كانت تلك إشارة مهمة من قائد ميداني يقود القوة المسؤولة مباشرة عن البحر الأحمر: استمرار إسقاط الصواريخ وقصف مواقع الإطلاق يوفر دفاعًا تكتيكيًا، بينما يترك جذور المشكلة وقابلية تكرار الهجمات قائمة.

ثم جاءت النهاية التي بقيت في ذاكرة صناع القرار. في السادس من مايو/أيار 2025 أعلن ترامب وقف الحملة بعد وساطة عمانية واتفاق بين واشنطن وصنعاء على وقف استهداف بعضهما. الاتفاق أوقف المواجهة المباشرة مع الولايات المتحدة، فيما بقيت إسرائيل خارجه، واستمرت صنعاء في اعتبار عملياتها ضد إسرائيل ملفًا منفصلًا. وبهذا خرجت الولايات المتحدة من حرب جوية كثيفة استمرت اكثر من عام ونصف

ذلك المسار يفسر كثيرًا من قرار ترامب الحالي. البيت الأبيض يملك تجربة حديثة جدًا مع الفكرة التي تطرحها الرياض اليوم. واشنطن تستطيع إطلاق مئات الصواريخ والقنابل ثم تجد نفسها بعد أسابيع أمام الصواريخ والطائرات المسيرة نفسها وهي تعود إلى البحر.

بالتالي فان إعادة فتح الجولة تعني إعادة حاملات ومدمرات إلى نمط قتال سبق أن استهلك مخزونات عالية القيمة، ومد فترات الانتشار، وأجبر البحرية على تخصيص نسبة غير عادية من أيام حاملاتها للشرق الأوسط، وفرض عليها حماية السفن الحربية بقدر ما كانت تحاول حماية التجارة.

المواجهة مع صنعاء أظهرت كذلك حدود بناء تحالف واسع خلف الولايات المتحدة. عندما أعلنت واشنطن «حارس الازدهار» نهاية 2023 قدمته باعتباره استجابة دولية. سرعان ما ظهرت الشقوق. رويترز أفادت آنذاك بأن إيطاليا وإسبانيا نأتا بنفسيهما عن القوة الأميركية بعد إدراجهما ضمن قائمة المشاركين، بينما احتفظت فرنسا بقيادتها الوطنية وفضّلت دول أوروبية لاحقًا العمل ضمن مهمة أوروبية منفصلة ذات قواعد اشتباك مختلفة.

وبذلك تحولت الصورة من تحالف غربي واسع يعمل تحت قيادة واحدة إلى ترتيبات متوازية وحذرة، مع حضور أميركي وبريطاني أوضح في الضربات المباشرة داخل اليمن.

حسابات العواصم الأوروبية ارتبطت بمجموعة عوامل سياسية وقانونية وعسكرية، وبينها إدراك مستوى المخاطر التي يمثلها الانتشار قرب الساحل اليمني. الهجمات لم تستهدف سفنًا تجارية فقط؛ قوات صنعاء أعلنت مرارًا استهداف حاملات ومدمرات أميركية، فيما أكد القادة الأميركيون أن سفنهم كانت تتلقى إنذارات متكررة من صواريخ بالستية ومجنحة ومسيرات بالتالي فان تحالف بحري من هذا النوع يضع السفن المشاركة داخل دائرة مواجهة قد تطول، ويجعل كل حكومة أوروبية مطالبة بتبرير كلفة الانتشار واحتمال الخسائر أمام جمهورها وبرلمانها.

الولايات المتحدة تحملت الحصة الأكبر لأنها تملك المنظومات القادرة على إدارة هذا المستوى من القتال، ودفعها ذلك إلى مفارقة استراتيجية واضحة: كلما زادت كثافة القوة المستخدمة في البحر الأحمر ارتفع حجم الموارد المطلوب إبقاؤها هناك. دورية USNI التي تناولت دروس عمليات «أيزنهاور» تحدثت عن الإمداد والاستدامة بوصفهما جزءًا مركزيًا من التجربة. الحاملة تستطيع توليد عشرات الطلعات، والمدمرة تستطيع اعتراض موجات من الصواريخ، ثم تبدأ الأسئلة الأصعب: كم صاروخًا اعتراضيًا يوجد في المخازن؟ كيف يعاد تحميل خلايا الإطلاق؟ كم سفينة إمداد متاحة؟ ما أثر تمديد الانتشار في الصيانة والدورة التدريبية للطاقم؟ وأي منطقة عالمية ستفقد وجود حاملة لأن حاملة أخرى بقيت أشهرًا إضافية قرب اليمن؟

لهذا تبدو المقارنة بين الطرفين شديدة الاختلال عند قياسها بحجم الجيوش، ثم تنقلب عند قياسها بكلفة الاستدامة. صنعاء تحتاج إلى إبقاء عدد كاف من منصات الإطلاق والطائرات المسيرة ووسائل الاستطلاع العاملة كي تواصل التهديد. الولايات المتحدة تحتاج إلى شبكة أقمار وطائرات إنذار وتزود بالوقود ومقاتلات ومدمرات وطرادات وسفن إمداد وقواعد ومنظومات دفاعية وصواريخ اعتراضية بملايين الدولارات للوحدة، مع طواقم يجب تدويرها وصيانة السفن وإعادتها إلى الجاهزية بعد الانتشار. هذا هو جوهر الحرب غير المتكافئة في البحر الأحمر: الطرف الأصغر لا يحتاج إلى مضاهاة الأسطول الأميركي؛ يكفي أن يجعل استخدام ذلك الأسطول مكلفًا ومتواصلًا ومفتوح النهاية.

كل ماسبق يؤكد بان التطورات الحالية تجعل العودة أكثر صعوبة. الولايات المتحدة تخوض أصلًا مواجهة واسعة مع إيران، ومضيق هرمز يفرض طلبًا هائلًا على البحرية والقوة الجوية واللوجستيات. رويترز قالت إن التقدم الأخير لقوات صنعاء نحو باب المندب يضع الإدارة أمام مأزق في وقت توصف فيه الموارد العسكرية بأنها مشدودة. توزيع الأسطول بين هرمز وباب المندب يعرض واشنطن لمشكلة ذات بعد عالمي؛ فزيادة حاملات الطائرات في الشرق الأوسط تعني تراجع القدرة على إبقائها في المحيط الهادئ، في حين يكرر البنتاغون منذ سنوات أن الصين تمثل التحدي العسكري طويل المدى الأول.

من هنا يمكن قراءة قرار ترامب بوصفه نتيجة مباشرة لذاكرة العمليات السابقة. السعودية تريد غطاءً جوياً أميركياً يعيد موازين القوة على الأرض ويحمي ممرًا بات أكثر أهمية لصادراتها. واشنطن تنظر إلى الطلب من داخل غرفة عمليات سبق أن شاهدت فيها المدمرات تعمل أيامًا متصلة داخل مناطق الاشتباك، والحاملات تمدد انتشارها، والصواريخ الاعتراضية تستهلك بمعدلات مرتفعة، وسفن الإمداد تتحمل دورة تشغيلية ثقيلة، ثم انتهت الحملة من دون نزع القدرة الصاروخية والطائرات المسيرة من صنعاء.

ولهذا جاء الرد الأميركي على الطلب السعودي في صورة معلومات استخباراتية واستهداف ودعم فني، مع بقاء الطائرات الأميركية خارج حملة جديدة حتى الآن. ذلك الخيار يسمح لواشنطن بمساندة الرياض من دون العودة فورًا إلى الحلقة التي خبرتها خلال العامين الماضيين: غارات كثيفة، وردود صاروخية، واعتراضات يومية، واستنزاف للذخائر والسفن، ثم تسوية توقف المواجهة الأميركية فيما تظل القوة اليمنية قادرة على إطلاق النار.

وحين ينظر صانع القرار الأميركي إلى البحر الأحمر اليوم، فإنه يرى سجلًا يمتد من «أيزنهاور» إلى «ترومان»، ومن أكثر من مليار دولار من الذخائر خلال جزء من عام 2024 إلى أكثر من ألف هدف في حملة ترامب عام 2025، ومن أربع مجموعات حاملات ارتبطت مباشرة بعمليات ردع صنعاء إلى خمس حاملات تعاقبت على مسرح القيادة المركزية منذ أواخر 2023، إلى أسطول إمداد وصيانة يقول مكتب المحاسبة الحكومي نفسه إنه يعمل تحت ضغوط بنيوية متراكمة.

وفي الطرف المقابل ما زالت الصواريخ البالستية والمجنحة والطائرات المسيرة جزءًا من ترسانة صنعاء، وما زال باب المندب يفرض على أي قوة بحرية تدخل ساحته أن تبقى في حالة دفاع مستمر.

تلك هي الخلفية التي تجعل رفض ترامب مفهومًا من منظور الحساب العسكري الأميركي. تجربة عامين ونصف العام أوضحت لواشنطن أن البحر الأحمر يستطيع ابتلاع قدر كبير من القوة من دون أن يمنحها حسمًا متناسبًا معها. ومع انتقال التوتر اليوم إلى باب المندب بالتزامن مع الضغط على هرمز، أصبحت كلفة العودة إلى حرب اليمن مرتبطة بأكثر من اليمن نفسه؛ إنها تمس خريطة انتشار الأسطول الأميركي، ومخزوناته من الذخائر، وقدرته على إدامة قوتين بحريتين في مسرحين متزامنين، واستعداده لمواجهة أزمات أخرى في المحيط الهادئ وأوروبا.

ومن هذه الزاوية، يبدو قرار واشنطن إبقاء الحرب في أيدي حلفائها الإقليميين امتدادًا لما تعلمته في البحر الأحمر أكثر من كونه موقفًا عابرًا من الطلب السعودي. التجربة الأميركية السابقة أظهرت أن إطلاق النار هو الجزء الأسهل من العملية. الكلفة الحقيقية تبدأ بعده، عندما تتحول أيام القصف إلى أشهر من الحراسة والاعتراض والإمداد والصيانة، وتصبح حاملة الطائرات التي أرسلت لإظهار القوة أصلًا يجب حمايته على مدار الساعة من صاروخ أو طائرة مسيرة يمكن أن يغير نجاح واحد منها حسابات صنعاء؟! .


* عرب جورنال


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا