أ.د.عبدالوهاب العوج
أكاديمي ومحلل سياسي يمني
في فجر اليوم الثلاثاء الثامن من سبتمبر 2026م، شنت جماعة الحوثي الإرهابية هجوماً واسعاً بالصواريخ والمسيرات استهدف أربع مدن سعودية هي أبها وخميس مشيط وجازان ونجران في الحد الجنوبي للمملكة، ولم يكن هذا الهجوم وليد لحظة عابرة، بل جاء متزامناً مع تصاعد العمليات العسكرية للقوات الحكومية اليمنية في جبهات تعز والجوف والساحل الغربي.
هذا التزامن يطرح سؤالاً جوهرياً: هل يحاول الحوثيون، عبر نقل المواجهة إلى العمق السعودي، حرف مسار المعركة الداخلية وإعادة ترتيب أولويات خصومهم؟ أم أن التصعيد ما هو إلا ردة فعل انهزامية على الضغوط العسكرية المتزايدة التي يتعرضون لها في الداخل؟
المشهد الميداني: حصيلة الضحايا والأضرار
أعلن المتحدث الرسمي باسم قوات "تحالف دعم الشرعية في اليمن" اللواء الركن تركي المالكي أن الهجمات أسفرت عن إصابة 73 مدنياً بينهم نساء وأطفال، وأكد المالكي أن هذه الهجمات استهدفت أعياناً مدنية واقتصادية، ووصفها بأنها "انتهاك سافر لسيادة المملكة وتهديد مباشر لأمن وسلامة مواطنيها والمقيمين على أراضيها".
في تطور بالغ الدلالة، أعلن مصدر مسؤول في وزارة الطاقة السعودية استهداف عدد من منشآت ومرافق قطاع الطاقة في المنطقة الجنوبية، حيث أوضح المصدر أن الاستهدافات تسببت في اندلاع حرائق في عدة مواقع، ما أدى إلى توقف مؤقت لبعض العمليات التشغيلية. باشرت الفرق الميدانية أعمال احتواء الحرائق وتأمين المواقع، غير أن الرسالة كانت واضحة: البنية التحتية الحيوية للمملكة أصبحت في مرمى النيران.
يمثل استهداف المنشآت النفطية في هذا التوقيت الحساس تهديداً مباشراً لأمن الطاقة العالمي، وليس السعودي فقط، ففي لحظة يتطلع فيها العالم إلى استقرار أسواق النفط، تأتي هذه الهجمات لتضيف طبقة جديدة من عدم اليقين الجيوسياسي.
الموقف السعودي الرسمي: ثلاثي الردع
في غضون ساعات قليلة، صدرت ثلاثة بيانات رسمية تعكس حدة الموقف السعودي، وكأنها رسالة منسقة بثلاث لغات: العسكرية، والسياسية، والاقتصادية.
أولاً: بيان التحالف العربي
أكد اللواء المالكي أن "قيادة القوات المشتركة للتحالف ستتخذ كافة الإجراءات العملياتية اللازمة لردع هذه الميليشيا الإرهابية ومواجهة نهجها العدائي بكل حزم"، و أشار إلى أن التحالف سيتخذ جميع التدابير والإجراءات اللازمة للرد على مصادر التهديد وتحييد خطرها، دون أن يستبعد أي خيار عسكري في حال استمرار التصعيد.
ثانياً: بيان وزارة الخارجية
أدانت الوزارة "بأشد العبارات" استهداف الحوثيين للأعيان المدنية والاقتصادية، وأكدت حق السعودية في اتخاذ "جميع الإجراءات اللازمة" للدفاع عن سيادتها، و شددت الوزارة على أنها "لن تتهاون مع أي اعتداء" يستهدف أراضيها ومقدراتها، ودعت المجتمع الدولي إلى تحمل مسؤولياته وتنفيذ قرارات مجلس الأمن، وفي مقدمتها القرار 2216 (2015) والقرار 2722 (2024).
ثالثاً: بيان وزارة الطاقة
أعلن استهداف منشآت الطاقة في المنطقة الجنوبية، وما نتج عنه من حرائق وتوقف مؤقت للعمليات، حيث جاء هذا البيان ليترجم التهديد الأمني إلى خسارة اقتصادية ملموسة، ويحذر من أن الاستهدافات لن تقتصر على المدنيين بل ستطال شريان الاقتصاد السعودي والعالمي.
القراءة الاستراتيجية: لماذا اختار الحوثيون هذا التوقيت بالذات؟
بعد استعراض الموقف السعودي، يصبح من الضروري فك شيفرة التوقيت. لم تأتِ الهجمات اعتباطاً، بل يمكن تفسيرها عبر ثلاثة أهداف رئيسية متداخلة.
أولاً: تخفيف الضغط عن الجبهات الداخلية
الهدف المباشر هو محاولة إجبار التحالف على إعادة توزيع قدراته الاستخباراتية والدفاعية نحو الحدود، و هذا التوزيع يمنح الميليشيا متنفساً لتخفيف الضغط عن جبهات تعز والجوف، وإعادة تنظيم صفوفها في الساحل الغربي الذي يشهد زحفاً حكومياً متصاعداً.
ثانياً: فرض معادلة ردع إقليمية جديدة
يراهن الحوثيون على أن استهداف المنشآت الاقتصادية والمدنية السعودية سيُحدث أزمة أمنية تدفع الرياض لتغيير حساباتها. فإصابة 73 مدنياً ليست مجرد رقم، بل رسالة بأن الكلفة الأمنية للحرب ستُدفع في العمق السعودي، وليس فقط على الحدود.
ثالثاً: تحويل الصراع إلى مواجهة إقليمية
تحاول الجماعة الخروج من عباءة "الميليشيا المحلية" إلى "اللاعب الإقليمي" القادر على تهديد الملاحة في البحر الأحمر ومصادر الطاقة، باستهداف منشآت النفط السعودية، يرسل الحوثيون إشارة إلى أسواق الطاقة العالمية بأنهم قادرون على التأثير في أسعار النفط واستقرار الإمدادات، مما يمنحهم ورقة ضغط دولية نافذة.
الجبهات الداخلية: هل ينجح الحوثيون في حرف المعركة؟
رغم الدوي الصاروخي على الحدود، فإن مقياس النجاح الحقيقي يبقى مرهوناً بما سيحدث داخل اليمن، الصواريخ والمسيرات تصنع ضجيجاً، لكن السيطرة على الأرض تُحسم بالدبابات والمشاة والتحصينات. وهنا ننتقل إلى تفصيل أدق لكل جبهة.
الجوف: لماذا هي مفتاح الضغط على الشمال؟
تُشكّل الجوف مفتاح الضغط على معاقل الحوثيين في صعدة وعمران. تقدم القوات الحكومية نحو معسكر اللبنات ومدينة الحزم يهدد خطوط الإمداد الرئيسية للميليشيا. صحيح أن أي انشغال للتحالف بالحدود قد يمنح الحوثيين فرصة لتثبيت دفاعاتهم، لكنه لن يوقف زحف القوات البرية المدعومة بقبائل المنطقة، ما لم يحدث تراجع فعلي في الدعم اللوجستي.
تعز: المعركة التي تهدد تماسك الحوثيين
المعركة في تعز ليست محلية، بل استراتيجية؛ فهي شريان يربط الشمال بالساحل الغربي. حيث ان سيطرة القوات الحكومية مؤخراً على مرتفعات حيفان، مهددةً بفك الحصار القديم عن المدينة، الحوثيون يعلمون أن أي زحف حقيقي في تعز يعني انهيار تماسك جبهاتهم الجنوبية، لذا، يحاولون عبر تصعيدهم الخارجي خلق حالة من "الارتباك القيادي" تعيق تقدم الجيش الوطني هناك.
الساحل الغربي وباب المندب: جوهر الصراع الإقليمي
فهذه الجبهة هي الأكثر حساسية، لأنها تلامس الأمن البحري الدولي، المعارك الدائرة شمال حيس وغرب التحيتا تهدف إلى تأمين الممر الملاحي لباب المندب، الحوثيون يدركون أن فقدان السيطرة هنا يعني فقدان أهم أوراقهم التفاوضية، ومن هنا، فإن أي محاولة لتحويل اهتمام التحالف نحو جبهة الصواريخ، إنما هي محاولة يائسة للحفاظ على بقائهم في هذه المنطقة الحيوية.
البعد الجيوسياسي: إيران وصراع الوكالة
لا يمكن قراءة التصعيد الحوثي بمعزل عن المحور الإيراني، فالحوثيون هم الحلقة الأكثر فاعلية في استراتيجية إيران للضغط على السعودية ودول الخليج، مع تصاعد التوترات الإقليمية، واستمرار العقوبات على طهران، تبحث إيران عن أدوات لزيادة كلفة المواجهة على خصومها.
الحوثيون يقدمون لأنفسهم، ولإيران، نموذجاً للردع غير المتماثل، فقدرة محدودة على التصنيع العسكري مقابل قدرة عالية على استنزاف خصم أقوى اقتصادياً وعسكرياً، و هذا النموذج يمنح طهران غطاءً للضغط على الرياض دون الدخول في مواجهة مباشرة، ويُبقي اليمن ساحة صراع بالوكالة بأقل تكلفة ممكنة على إيران.
ويضاف إلى ذلك البعد الاقتصادي العالمي، فاستهداف منشآت الطاقة السعودية يأتي في وقت تشهد فيه أسواق النفط حالة من الترقب، أي اضطراب في الإمدادات السعودية قد ينعكس على الأسعار العالمية، مما يمنح الحوثيين نفوذاً غير مباشر على القرار الدولي. وهذا ما يفسر دعوة السعودية المجتمع الدولي لتحمل مسؤولياته وتنفيذ قرارات مجلس الأمن، محاولةً منها لتحويل الصراع من ثنائي (يمني-سعودي) إلى دولي.
الاستنزاف: السلاح ذو الحدين الذي قد ينقلب على الحوثيين
بعد كل هذا التصعيد، تبرز مشكلة أعمق تواجه الحوثيين، وهي ليست في فشلهم في حرف المعركة حالياً، بل في الاستنزاف التدريجي لقدراتهم. الصاروخ الذي يُطلق نحو السعودية هو نفسه الصاروخ الذي قد يُستخدم لصد هجوم بري في الجوف، والطائرة المسيّرة التي تستهدف مطار أبها، هي نفسها التي تحمي تحصيناتهم في الساحل الغربي.
فتح جبهة إقليمية يتطلب موارد ضخمة (وقود، صيانة، استخبارات، قطع غيار)، وهذا قد يؤدي إلى استنزاف قدراتهم الدفاعية في الداخل بشكل أسرع من استنزاف خصومهم، حيث تشير تحليلات الخبراء العسكريين، كما في تقارير مايكل نايتس، إلى أن الحوثيين ماهرون في الدفاع والاستنزاف، لكن قدرتهم على إدارة حرب متعددة الجبهات (داخلياً وخارجياً) محدودة وقد تنقلب عليهم.
إذا استمر الحوثيون في هذا المسار، فقد يجدون أنفسهم أمام معادلة صعبة، إما الحفاظ على وتيرة القصف الإقليمي واستنزاف مخزونهم الدفاعي، وإما العودة للدفاع عن الجبهات الداخلية والتخلي عن ورقة الردع الخارجية،
و خلاصة القول هل يُغيّر قصف السعودية مسار معركة تحرير اليمن؟
مما سبق، يمكننا الوصول إلى إجابة مركزة وواضحة. قصف السعودية وحده لا يغيّر معركة تحرير اليمن، ولا يستطيع حسم معارك تعز والجوف والساحل الغربي من خلال الصواريخ فقط. لكنه قد يُغيّر شكل الحرب، ويدفع بها نحو مسارح متعددة.
الخطر الحقيقي لا يكمن في الصواريخ نفسها، بل في نجاح الحوثيين في خلق أزمة إقليمية تُجبر خصومهم على إعادة حساباتهم السياسية، وليس العسكرية فقط. فاستهداف المدنيين والمنشآت الاقتصادية، وإصابة 73 مدنياً، ليس مجرد عمل عسكري، بل رسالة سياسية مفادها أن الحرب لن تبقى محصورة في اليمن.
غير أن المفارقة الاستراتيجية التي قد يغفل عنها الحوثيون هي أن هذا التصعيد لن يُضعف عزيمة الرياض، بل سيعزز منطق الردع الصارم، ويدفع التحالف إلى تشديد العمليات الرامية إلى "تحييد مصادر التهديد" بدلاً من الانكفاء عنها، وكما ورد في بيان التحالف، فإن الإجراءات العملياتية القادمة قد تطال عمق البنية التحتية العسكرية للحوثيين في صنعاء وصعدة.
في المحصلة النهائية، تبقى المعركة الحقيقية محصورة في الجغرافيا اليمنية، فالنصر الحقيقي لا يُحقق باعتراض صاروخ فوق نجران، بل بتحرير مدينة المخا، أو بكسر حصار تعز، أو بدخول الحزم عاصمة الجوف. أما التصعيد خارج الحدود، فهو مجرد ضجيج قد يُحدث شرخاً في الجدار، لكنه لا يهدم البناء الاستراتيجي للحرب التي ترسم مستقبل الدولة اليمنية.
أ.د.عبدالوهاب العوج
أكاديمي ومحلل سياسي يمني
المصدر:
عدن الغد