في منطقة نجد أسحيل بمديرية رُصُد يافع بمحافظة أبين، تقف مدرسة الشهيد علي سعيد مجموع اليوم شاهدة على تاريخ طويل من التعليم والعطاء، بعدما تحولت من منارة علمية احتضنت أجيالاً من الطلاب والكوادر إلى مبنى مهجور يواجه آثار الزمن والإهمال.
ومنذ أكثر من 15 عاماً توقفت المدرسة عن أداء دورها التعليمي، في وقت يعتمد فيه أبناء عشر قرى على مدارس ثانوية بعيدة، ويضطر الطلاب إلى قطع مسافات طويلة عبر طرق جبلية وعرة، بينما تجد غالبية الطالبات أنفسهن أمام واقع أكثر قسوة ينتهي في كثير من الحالات بانقطاعهن عن التعليم بعد المرحلة الأساسية.
*مدرسة بناها الأهالي عام 1970*
تعود جذور المدرسة إلى عام 1970، حين شُيدت بجهود الأهالي وعلى نفقتهم الخاصة، في وقت كانت فيه إمكانات الدولة محدودة في مجال إنشاء المدارس بالمناطق الريفية.
وبجهود الآباء وسواعدهم، تحولت المدرسة إلى مركز تعليمي مهم لأبناء المنطقة، واستقبلت على مدى عقود طلاباً وطالبات من قرى ومناطق عدة، وأسهمت في تخريج أجيال من المتعلمين والكوادر الذين واصلوا مسيرتهم في مختلف مجالات الحياة.
ويستعيد أبناء المنطقة تاريخ المدرسة باعتزاز، مؤكدين أنها لم تكن مجرد مبنى دراسي، وإنما كانت تمثل المدرسة الأم لعشرات القرى المحيطة، مصدراً أساسياً للتعليم في المنطقة لسنوات طويلة.
*صرح تاريخي أنهكه الإهمال*
ومع مرور السنوات، تدهورت حالة المبنى بصورة كبيرة، إذ يعاني من تشققات وتصدعات وتهالك في بعض أجزائه، إلى جانب افتقار عدد من حجراته للأبواب والنوافذ، الأمر الذي جعله غير مهيأ لاستقبال الطلاب ومواصلة العملية التعليمية.
ويرى الأهالي أن استمرار إغلاق المدرسة يمثل خسارة كبيرة للمنطقة، خصوصاً أنها تقع في تجمع سكاني واسع وتخدم قرى تفتقر إلى مدرسة ثانوية قريبة.
*10 قرى تدفع ثمن غياب المدرسة*
كانت مدرسة الشهيد علي سعيد مجموع تخدم أبناء عشر قرى ومناطق هي: مكيل، مفلح، الخضراء، دخلس، الغيل، يَرِي، الضيعة، الرفقة، ذي عسيم، وتَنْفِي.
وبعد توقفها، أصبح الطلاب الراغبون في مواصلة تعليمهم الثانوي مضطرين إلى الانتقال إلى مدارس أخرى، من بينها ثانويتا الشعب ورباط السُنيدي، لمسافات تتراوح بين 10 و15 كيلومتراً، وقد تزيد في بعض الاتجاهات، عبر طرق جبلية وعرة.
وتفرض هذه المسافات أعباء إضافية على الأسر، ليس فقط بسبب مشقة الطريق، وإنما أيضاً نتيجة تكاليف المواصلات التي يصعب على كثير من العائلات تحملها بصورة يومية.
*الطالبات.. الضحية الأكبر*
وتتضاعف آثار هذه الأزمة بالنسبة للطالبات، إذ تشكل المسافات الطويلة ووعورة الطرق وتكاليف النقل عائقاً حقيقياً أمام استمرارهن في التعليم.
ويؤكد الأهالي أن عدداً كبيراً من الطالبات يتوقفن عن الدراسة بعد المرحلة الأساسية نتيجة عدم قدرة أسرهن على تحمل مشقة الانتقال إلى المدارس البعيدة، ما يجعل إعادة تشغيل المدرسة حاجة ملحة تتجاوز الجانب التعليمي إلى أبعاد اجتماعية وإنسانية تمس مستقبل جيل كامل.
*عبدالله بن قحطان: مطلبنا تأهيل المدرسة القائمة*
وقال المواطن عبدالله علي بن قحطان إن أبناء المنطقة لا يطالبون ببناء مدرسة جديدة من الصفر، وإنما يناشدون الجهات المختصة إنقاذ المبنى القائم وإعادة تأهيله وتجهيزه لاستيعاب المرحلة الثانوية.
وأشار إلى أن المنطقة تتمتع بكثافة سكانية كبيرة وتمثل مركزاً انتخابياً مهماً، مؤكداً أن أبناءها بحاجة إلى مدرسة ثانوية قريبة تنهي معاناتهم مع المسافات الطويلة والتنقل اليومي.
*صالح منصر: بناها الأهالي بمعاولهم وسواعدهم*
من جانبه، أوضح المواطن صالح منصر أحمد أن مدرسة نجد أسحيل، المعروفة بمدرسة الشهيد علي سعيد مجموع، تأسست عام 1970 بجهود الأهالي ومساهماتهم الذاتية.
وأشار إلى أن أبناء المنطقة شاركوا في تشييد المدرسة بإمكاناتهم المتواضعة، لتصبح لاحقاً مقصداً تعليمياً لأبناء الخضراء ومفلح ومكيل وذي عسيم وتنفي والرفقة ويَرِي والغيل والضيعة ودخلس.
وأكد أن المدرسة احتضنت أجيالًا من الطلاب والطالبات، وتخرج منها عدد كبير من الكوادر، مطالباً الجهات المختصة بإعادة الاعتبار لهذا الصرح التاريخي وتأهيله وصيانته ليعود إلى دوره التعليمي.
*باسل محضار: أكثر من 15 عاماً على توقف المدرسة*
بدوره، أكد الأستاذ باسل صالح محضار أن مدرسة الشهيد علي سعيد مجموع، التي كانت تعرف سابقاً بمدرسة الرفقة، تعاني من الإهمال منذ سنوات طويلة، الأمر الذي أدى إلى توقفها عن العمل لأكثر من 15 عاماً.
وأوضح أن توقف المدرسة انعكس بصورة مباشرة على مستقبل أبناء المنطقة، وخاصة الطالبات، بسبب بُعد المدارس البديلة التي تتجاوز مسافتها 15 كيلومتراً في بعض الاتجاهات.
وأشار محضار إلى أن الأهالي أعدوا دراسة تتضمن احتياجات المدرسة ومتطلبات إعادة تأهيلها، وتم تسليم نسخة منها إلى مدير عام الأشغال العامة بالمحافظة، آملين أن تحظى مطالبهم بالاستجابة وأن تتحول الدراسة والمناشدة إلى مشروع عملي يعيد للمدرسة دورها.
*مناشدة عاجلة لإنقاذ المدرسة ومستقبل الطلاب*
وجدد أهالي وأعيان نجد أسحيل والقرى المستفيدة من المدرسة مناشدتهم قيادة السلطة المحلية بمحافظة أبين، ممثلة باللواء الركن الدكتور مختار الخضر الرباش، ووزارة التربية والتعليم، والجهات ذات العلاقة، إلى جانب رجال الخير والمغتربين والداعمين من أبناء يافع في الداخل والخارج، للتدخل العاجل وإعادة تأهيل المدرسة وفتح أبوابها أمام التعليم الثانوي.
ويؤكد الأهالي أن مطلبهم لا يتمثل في إنشاء صرح جديد، بقدر ما هو دعوة لإنقاذ صرح قائم يحمل تاريخاً طويلاً من التعليم، وبُني قبل أكثر من خمسة عقود بجهود الأهالي أنفسهم.
فإعادة تأهيل مدرسة الشهيد علي سعيد مجموع ليست مجرد عملية ترميم لمبنى متهالك، بل خطوة لإنقاذ حق أبناء عشر قرى في التعليم، وتقليل معاناة الطلاب، والحد من تسرب الطالبات، وفتح الطريق أمام جيل جديد لمواصلة دراسته في بيئته المحلية.
مدرسة بناها الأهالي عام 1970، واحتضنت أجيالًا من أبنائهم، لا تزال تنتظر اليوم من يعيد إليها الحياة، لتعود منارة علم في نجد أسحيل، وتستأنف رسالتها التي بدأت قبل 56 عاماً.
المصدر:
عدن الغد
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة