وبحسب بيانات مواقع تتبُّع السفن، تحولت ناقلات تحمل أسماء سعودية إلى أسماء جديدة مرتبطة بالمعادن الثمينة، كما استُبدل العلم السعودي بالعلم الليبيري، في خطوة تبدو محاولة لإخفاء الهوية الأصلية للسفن وتقليل احتمالات تعرضها للاستهداف. وهذه التطورات لا تعكس قوة الموقف السعودي بقدر ما تكشف حجم المأزق الذي وصلت إليه حركة النفط السعودية.
الأكثر دلالة أن هذا التطور يأتي فيما تتقاطع الضغوط على الناقلات السعودية في جبهتين بحريتين بالغتي الحساسية. فمن جهة تواصل صنعاء فرض ما أسمته "معادلة الحصار بالحصار" في البحر الأحمر، مستهدفة السفن المرتبطة بالسعودية. ومن جهة أخرى، تعرضت ناقلة "سدر" التابعة لشركة "بحري" للاستهداف في مضيق هرمز، وأعلنت الشركة لاحقاً وفاة اثنين من بحارتها، ما يوضح أن المخاطر لم تعد محصورة في مسار بحري واحد.
وهنا تتضح أهمية الاستراتيجية التي تتبعها صنعاء، فالضغط على حركة النفط السعودية لا يحتاج بالضرورة إلى إيقاف كل ناقلة، بل يكفي رفع مستوى المخاطر إلى درجة تجعل عملية النقل أكثر كلفة وأقل أماناً. فكل ناقلة تصبح أمام حسابات التأمين والحماية والمسار والوقت، وكل رحلة محفوفة بالمخاطر تفتح الباب أمام ارتفاع تكاليف الشحن وتراجع شهية شركات النقل والمشترين للمغامرة.
والأخطر بالنسبة للرياض أن البدائل ليست مجانية. فبعد محاولات إعادة توجيه بعض صادرات النفط عبر الخليج ومضيق هرمز لتخفيف آثار الحظر على مسار ينبع والبحر الأحمر، جاءت التطورات الأخيرة لتكشف أن نقل المشكلة من البحر الأحمر إلى الخليج لا يعني التخلص منها. بيانات الملاحة أظهرت بالفعل عودة ناقلات محملة بالنفط السعودي إلى العبور عبر هرمز، فيما بقيت حركة الملاحة في المضيق أقل من مستوياتها المعتادة وسط التوترات الإقليمية.
وهكذا تتحول معادلة "الحصار بالحصار" تدريجياً إلى معادلة استنزاف اقتصادي. فصنعاء لا تواجه السعودية في نقطة واحدة، وإنما تدفع بها إلى توزيع جهودها بين حماية موانئها وناقلاتها وتأمين مسارات التصدير والبحث عن بدائل وتقليل مخاطر الملاحة. وكلما اتسع نطاق الضغط، أصبحت كلفة الحفاظ على تدفق النفط أعلى.
أما تغيير أسماء السفن وأعلامها، فلا يمثل حلاً جذرياً؛ لأن تغيير الهوية الورقية لا يغير ملكية السفينة أو طبيعة الشحنة أو مسارها الفعلي، كما أن تقنيات التتبع البحري قادرة على كشف كثير من هذه التحركات. وبالتالي قد يتحول التمويه نفسه إلى دليل على أن الرياض باتت تبحث عن طرق للالتفاف على بيئة بحرية لم تعد مضمونة بالنسبة إليها.
إذا استمر هذا المسار التصاعدي، فإن تداعياته لن تتوقف عند قطاع النقل البحري. فالسعودية تعتمد بصورة كبيرة على عائدات الطاقة، وأي اضطراب مزمن في صادرات النفط يعني ضغوطاً على الإيرادات وتكاليف التأمين والشحن والاستثمار، فضلاً عن التأثير في ثقة الأسواق بقدرة المملكة على ضمان انسياب صادراتها في أوقات الأزمات.
ومن هنا فإن الخطر الحقيقي على الرياض لا يكمن في حادثة منفردة، بل في تراكم الحوادث والتهديدات وتحولها إلى واقع دائم. فكلما طال أمد الحظر البحري، ضاقت خيارات السعودية وارتفعت فاتورة تأمين اقتصادها النفطي. وبذلك تمضي معادلة "الحصار بالحصار" في مسار تصاعدي، وإذا لم يتم احتواء تداعياتها فقد تتحول من ورقة ضغط عسكرية إلى أزمة اقتصادية تضرب واحداً من أكثر القطاعات حساسية في المملكة.
المصدر:
البوابة الإخبارية اليمنية