وفي أحدث مؤشر على ذلك، أفادت رويترز بتغيير الرئيس التنفيذي لمشروع "المربع الجديد"، أحد أبرز مشاريع الرؤية، بإقالة البريطاني مايكل دايك وتعيين صباح بركات خلفاً له. المشروع الذي كان يفترض أن يتحول إلى "أكبر مركز مدينة في العالم"، ويضم ناطحة سحاب مكعبة ضخمة، قدرت تكلفته بأكثر من 50 مليار دولار، كان مقرراً إنجازه بحلول عام 2030، قبل أن يتعثر ويجري تمديد جدوله الزمني لنحو عشر سنوات إضافية.
ولا تبدو هذه الخطوة معزولة عن مسار أوسع داخل صندوق الاستثمارات العامة السعودي، إذ تشير تقارير "فايننشال تايمز" إلى مراجعة أكثر من 100 شركة ومشروع في محفظة الصندوق، وسط تأخيرات وتجاوزات كبيرة في التكاليف، مع توجه واضح نحو تقليص الطموحات المتعلقة بالمشاريع العملاقة. كما شملت التغييرات استبدال مسؤولين تنفيذيين في مشاريع أخرى، إلى جانب تقليص أو تأجيل أجزاء من مشروع "نيوم" ومشاريع صناعية ضخمة كان يفترض أن تكون محركات رئيسية للتحول الاقتصادي.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى في "رؤية 2030": فبدلاً من أن تتحول المشاريع العملاقة إلى قاطرة اقتصادية سريعة، أصبحت تكاليفها وجدواها ومواعيد إنجازها موضع مراجعة مستمرة. وهذا لا يعني بالضرورة انهيار الاقتصاد السعودي، لكنه يكشف أن المملكة تواجه ضغوطاً مالية حقيقية تجعل الإنفاق الهائل على عشرات المشاريع المتزامنة أكثر صعوبة، خصوصاً في ظل الحاجة إلى تمويل قطاعات التعليم والصحة والإسكان والخدمات وفرص العمل، والحفاظ على الاستقرار المالي في مواجهة تقلبات أسعار النفط.
وتزداد الصورة تعقيداً مع الأعباء العسكرية والأمنية التي تتحملها الرياض. فالأموال التي تُنفق على التسلح والعمليات العسكرية، وفي مُقَدَّمِها الحرب الطويلة والمكلفة على اليمن، تمثل استنزافاً إضافياً للموارد كان الأولى توجيهه إلى التنمية الداخلية ومصالح المواطنين، بدلاً من الدخول في حروب لم تحقق للسعودية أهدافاً حاسمة رغم ما خلفته من كلفة بشرية وسياسية ومالية.
وفي مؤشر آخر على حجم الالتزامات المالية الخارجية، ذكرت صحيفة "تانيا" اليونانية أن السعودية تواجه ديوناً مستحقة لليونان تتجاوز 50 مليون يورو، أي نحو 55.5 مليون دولار، مقابل تكاليف تشغيل منظومة "باتريوت" الدفاعية وذخائرها وطواقمها العسكرية على مدى خمس سنوات، وهذا يضيف مثالاً جديداً على اتساع فاتورة الإنفاق الدفاعي في وقت تعيد الرياض ترتيب أولوياتها الاقتصادية.
المشكلة إذن ليست في مشروع واحد تعثر أو مسؤول تنفيذي جرى تغييره، وإنما في نموذج إنفاق كامل بدأ يخضع للمراجعة. فحين تضطر دولة إلى تأجيل مشاريع بمليارات الدولارات، وإعادة هيكلة أخرى، وتغيير إداراتها، فإن السؤال لم يعد يتمحور حول موعد استكمال "رؤية 2030"، بل كم ستكلف السعودية هذه الرؤية في نهاية المطاف، ومن سيدفع فاتورة طموحاتها التي فاقت قدرتها على التنفيذ؟
الأحرى بالرياض، في ظل هذه الضغوط، أن تعيد توجيه مواردها نحو الداخل، وأن تجعل تحسين حياة المواطن السعودي وتنويع الاقتصاد بصورة واقعية أولوية حقيقية، بدلاً من تبديد مليارات الدولارات في مشاريع ضخمة وحروب واستحقاقات عسكرية متراكمة قد تزيد الأعباء على الاقتصاد أكثر مما تحقق من عوائد.
المصدر:
البوابة الإخبارية اليمنية