آخر الأخبار

ماذا بقي في جعبة الرياض؟.. صنعاء أمام تحالفات جُرّبت وحرب لم تُحسم

شارك

المشهد اليوم يطرح سؤالاً أساسياً: ما الذي تراهن عليه السعودية تحديداً، وما الذي بقي في جعبتها ولم تجربه بعد في اليمن؟

منذ بدء الحرب العدوانية على اليمن عام 2015، دخلت الرياض المواجهة وهي تمتلك تفوقاً جوياً ومالياً وتسليحياً كبيراً، وتحالفاً إقليمياً، ودعماً سياسياً ولوجستياً واستخباراتياً من قوى غربية كبرى استخدم الطيران على نطاق واسع، وفُرضت قيود بحرية وجوية، ودُعمت تشكيلات عسكرية محلية من المرتزقة موالية للتحالف، إلى جانب استخدام أدوات اقتصادية وسياسية وإعلامية متعددة.

لكن النتيجة بعد سنوات طويلة لم تكن إنهاء صنعاء أو فرض شروط الحسم عليها، بل نشوء معادلة أكثر تعقيداً، أصبحت فيها الأراضي والمنشآت السعودية نفسها جزءاً من حسابات الردع والمواجهة وهذه هي المعضلة التي تواجه الرياض اليوم. فهي لا تعود إلى خصم لم تختبره، ولا إلى حرب مجهولة النتائج، وإنما إلى ملف تعرف تفاصيله جيداً، وتدرك أن التفوق الجوي وحده لم يكن كافياً لإنهائه.

لذلك تبدو محاولات بناء ترتيبات بحرية ودفاعية جديدة أقرب إلى البحث عن مظلة أوسع لتوزيع كلفة المواجهة، لا إلى امتلاك استراتيجية مختلفة جذرياً. فالتحالفات البحرية قد تعزز قدرات الرصد والاعتراض، والمنظومات الدفاعية الإضافية قد تحد من تأثير بعض الهجمات، لكن السؤال الذي بقي بلا جواب هو: هل تستطيع هذه الأدوات منع صنعاء من تطوير وسائل جديدة للوصول إلى أهدافها؟

التجربة السابقة لا تمنح الرياض إجابة مريحة. فمنذ بداية الحرب انتقلت القدرات اليمنية تدريجياً إلى مستويات أعلى. بدأت المواجهة في ظل غلبة جوية شبه مطلقة للتحالف، ثم ظهرت الطائرات المسيّرة والصواريخ الباليستية بصورة متزايدة، قبل أن تتوسع دائرة العمليات إلى منشآت الطاقة والمطارات والأهداف البعيدة، ثم إلى المجال البحري وخطوط الملاحة.

وبهذا المعنى، لم تتحول سنوات الحرب إلى مسار متواصل لإضعاف صنعاء بقدر ما شهدت بالتوازي تراكم خبرة قتالية وصاروخية وتقنية جعلت كلفة العودة إلى المواجهة اليوم مختلفة جذرياً عن كلفتها عام 2015.

اليوم وفي الوقت الذي تتحدث فيه تقارير غربية وإسرائيلية عن مساع سعودية للحصول على دور أميركي أكبر في أي مواجهة جديدة، تبرز معضلة إضافية. فالولايات المتحدة نفسها اختبرت المواجهة المباشرة مع صنعاء في البحر الأحمر، واستخدمت حاملات الطائرات والقاذفات بعيدة المدى والصواريخ والغارات الجوية، لكنها لم تصل إلى نتيجة تسمح بالقول إنها نزعت قدرة صنعاء على مواصلة العمليات.

ولهذا، فإن أي تردد أميركي في قيادة جولة جديدة، إذا تأكد، لا يمكن تفسيره بنقص القدرة العسكرية. واشنطن تمتلك تفوقاً نارياً هائلاً، لكن المشكلة تكمن في تحويل هذا التفوق إلى نتيجة سياسية دائمة، وهي العقدة نفسها التي واجهتها السعودية طوال سنوات الحرب.

فالرياض تستطيع توسيع شبكة الدفاع الجوي، وطلب دعم إضافي من حلفائها، وشن ضربات جديدة، لكنها جربت من قبل محاولة تحويل التفوق العسكري إلى نتيجة سياسية على الأرض، ولم تحقق الهدف النهائي الذي بدأت الحرب من أجله.

والمفارقة أن المملكة التي بدأت الحرب وهي تتحدث عن إعادة تشكيل المعادلة داخل اليمن، أصبحت اليوم مطالبة بتوسيع شبكة الدفاع عن منشآتها داخل أراضيها.

وعندما تصبح منظومات دفاع جوي أجنبية جزءاً من حماية منشآت سعودية من صواريخ أو طائرات مسيرة يمنية، فإن المسألة تتجاوز النتيجة العسكرية لأي اعتراض ناجح إلى دلالة سياسية أوسع: كيف وصلت المعادلة بعد سنوات من الحرب إلى وضع تحتاج فيه قوة إقليمية بحجم السعودية إلى مزيد من القدرات الخارجية لمواجهة تهديد يأتي من اليمن؟

من زاوية صنعاء، هذا التحول يمثل جزءاً من استراتيجية الردع. فالهدف ليس بالضرورة نجاح كل ضربة أو فشل كل منظومة دفاع، وإنما جعل حماية المطارات والموانئ والمنشآت النفطية ومحطات التكرير والبنية الاقتصادية عملية دائمة ومكلفة، وتحويل مجرد احتمال الهجوم إلى عامل يدخل في حسابات التأمين والاستثمار والنقل والطاقة.

وهنا يصبح الحديث السعودي عن التصعيد ذا وجهين. فمن ناحية، يمكن للرياض استخدام التهديد بحرب جديدة للضغط على صنعاء، لكن فتح المواجهة قد يؤدي في المقابل إلى رفع مستوى العمليات اليمنية وتوسيع قائمة الأهداف بصورة لا تستطيع السعودية ضمان حدودها مسبقاً وهذا ربما أخطر ما في الرهان الحالي: الاعتقاد بأن التلويح بالتصعيد سيجعل صنعاء أكثر حذراً ويحصر عملياتها ضمن سقف معين.

التجربة السابقة تشير إلى أن التصعيد كان، في مراحل كثيرة، يدفع إلى تطوير وسائل رد جديدة. وكلما ارتفع مستوى الضغط توسعت الأدوات المستخدمة لمواجهته. ولذلك قد تكتشف الرياض أن الحرب التي تريد استخدامها لضبط إيقاع العمليات اليمنية يمكن أن تؤدي إلى النتيجة العكسية، أي رفع ذلك الإيقاع ونقل المواجهة إلى مساحات اقتصادية أكثر حساسية.

والسعودية تمتلك اقتصاداً شديد الاندماج في الأسواق العالمية، ومشاريع ضخمة مرتبطة بالاستثمار الأجنبي والسياحة والطيران والخدمات والطاقة. وهذه نقطة قوة في زمن الاستقرار، لكنها تتحول إلى نقطة حساسية في حال اتساع المواجهة.

فالتهديد الذي يطاول مطاراً أو ميناء أو منشأة حيوية لا يُقاس فقط بحجم الضرر المباشر، بل أيضاً بأثره في شركات التأمين والمستثمرين وأسعار الشحن والثقة في استقرار البيئة الاقتصادية. ومن هنا تصبح القدرة على تهديد منشأة تبلغ قيمتها مليارات الدولارات أداة ضغط تتجاوز بكثير القيمة المالية للسلاح المستخدم.

وهذه إحدى أبرز المعادلات التي تغيرت منذ عام 2015. فالسعودية تستطيع إنفاق مليارات الدولارات على منظومات الدفاع والحماية والاعتراض، بينما تحتاج صنعاء إلى كلفة أقل بكثير لإبقاء احتمال الخطر قائماً.

وفي حروب الاستنزاف غير المتكافئة لا يتعلق الأمر فقط بمن يمتلك السلاح الأكثر تطوراً، بل بمن يستطيع إجبار خصمه على دفع كلفة أكبر بكثير لمنع ضرر محتمل.

لهذا لا يبدو إنشاء تحالف بحري جديد أو توقيع اتفاقات دفاعية إضافية حلاً جذرياً للمشكلة. قد تُعترض طائرات مسيرة، وقد تُسقط صواريخ، وقد تُحمى ناقلات، لكن ذلك لا يجيب عن السؤال الأساسي: كيف يمكن إنهاء مصدر التهديد سياسياً؟

لقد جربت الرياض الحرب الجوية، ودعم التشكيلات المحلية، والضغط الاقتصادي، والحصار، والمعركة الإعلامية والسياسية، والاستناد إلى الدعم الأميركي والغربي. ومع ذلك بقيت صنعاء في موقعها، بل انتقلت من الدفاع عن مناطق سيطرتها إلى امتلاك أدوات تتيح لها فرض كلفة خارج الحدود اليمنية.

لذلك فإن السؤال الذي ينبغي أن يقلق الرياض هو :لماذا لم يتحول هذا التفوق طوال السنوات الماضية إلى انتصار سياسي، ولماذا يفترض أن يؤدي استخدام الأدوات نفسها مرة أخرى إلى نتيجة مختلفة؟

من منظور صنعاء، ما يزال الوقت يسمح للسعودية بتجنب اختبار هذا السؤال مجدداً في الميدان. فالتوصل إلى تسوية تستجيب للاستحقاقات الإنسانية والاقتصادية وتفتح الطريق أمام معالجة سياسية طويلة الأمد قد يبدو للرياض تنازلاً، لكنه قد يكون أقل كلفة من العودة إلى حرب تغيرت معادلاتها العسكرية والتقنية بصورة كبيرة عن بداياتها.

عام 2015 كانت الرياض تقاتل داخل اليمن، أما اليوم فأحد أهم مخاوفها أن تنتقل كلفة الحرب إلى عمق بنيتها الاقتصادية. وهذا التحول وحده يلخص جانباً مهماً من نتيجة السنوات الماضية.

المفارقة، من وجهة نظر صنعاء، هي في المكان الذي وصلت إليه المعادلة بعد كل تلك السنوات: صواريخ وطائرات مسيرة يمنية أصبحت جزءاً من الحسابات الأمنية للمنشآت داخل المملكة، وقوى أجنبية تشارك في توفير مظلات دفاعية، وتحالفات جديدة يجري تشكيلها لحماية الملاحة والمصالح الاقتصادية.

وهنا يعود السؤال بصورة أكثر إلحاحاً: ماذا بقي في جعبة السعودية لم يُجرب، بصيغة أو بأخرى، من قبل؟

إذا كانت الإجابة هي المزيد من التحالفات، والمزيد من الدفاعات، والمزيد من الضربات، فقد تجد الرياض نفسها أمام النسخة نفسها من المشكلة القديمة، ولكن بكلفة أعلى.

في المقابل، تراهن صنعاء على معادلة مختلفة: جعل استمرار الضغط والحصار والمراوحة السياسية أكثر كلفة على الطرف الآخر من الاستجابة لمطالبها، وتحويل التفوق العسكري السعودي من أداة حسم إلى عبء يحتاج باستمرار إلى المال والحماية والتحالفات.

عند هذه النقطة يصبح الوقت نفسه عاملاً سياسياً. فكلما تأخرت التسوية، اتسعت مساحة المخاطرة، وكلما أعادت الرياض اختبار الخيار العسكري، ارتفع احتمال انتقال المواجهة إلى مستويات لم تكن جزءاً من حسابات السنوات الأولى للحرب.

وقد تستطيع السعودية بدء جولة جديدة متى قررت ذلك، لكنها لا تستطيع ضمان شكل نهايتها. وهذه، ربما، هي المعضلة الأهم: أن التسوية التي قد تبدو مكلفة اليوم قد تكون أقل كلفة بكثير من اختبار حدود القوة مرة أخرى.


* عرب جورنال


الأكثر تداولا أمريكا إيران مصر السعودية

حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا