آخر الأخبار

صنعاء تحتفي بالمولد النبوي والرياض تحتفل بيوم الكلاب.. مفارقة تهز صورة السعودية الدينية!

شارك

المسألة لا تتعلق بمجرد خبر عن مناسبة عالمية أو الاهتمام بالحيوانات، وإنما بالتناقض بين التشدد في التعامل مع مناسبة مرتبطة بالرسول محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وبين الانفتاح المتزايد على مناسبات وأنماط ثقافية وافدة من الغرب، أصبحت تحظى بمساحة واسعة في الإعلام السعودي والفعاليات العامة.

وعلى مدى عقود، قدمت المؤسسة الرسمية في السعودية نفسها باعتبارها حامية للدين، وكانت مسألة الاحتفال بالمولد النبوي من أبرز القضايا التي واجهت الرفض الديني الرسمي باعتبارها من الممارسات غير المشروعة وفق الرؤية السائدة في المملكة، وهي الرؤية الوهابية المتطرفة. غير أن التحولات المتسارعة التي شهدتها البلاد خلال السنوات الأخيرة أعادت رسم المشهد بصورة مختلفة، إذ توسعت دائرة الفعاليات الترفيهية والمناسبات المستوردة، وتغيرت أولويات الخطاب الرسمي من المحافظة على الصورة التقليدية للمجتمع إلى بناء نموذج جديد يقوم على الترفيه والانفتاح الثقافي البعيد عن الدين والتقاليد الدينية الأساسية.

ويتضح هنا أن النظام السعودي لم يعد يكتفي بإجراء تغييرات اقتصادية أو اجتماعية، بل يعمل على إعادة تشكيل المجال الثقافي والقيمي للمجتمع، من خلال تقديم أنماط جديدة من الاحتفال والترفيه باعتبارها جزءاً من "الحداثة"، في مقابل استمرار التحفظ بل والمنع للاحتفال بمناسبات دينية ترتبط بالوجدان الشعبي الإسلامي، على رأسها المولد النبوي الشريف.

وفي المقابل، يقدم اليمنيون في صنعاء والمحافظات الواقعة في نطاق إدارة حكومة صنعاء نموذجاً مختلفاً في إحياء ذكرى المولد النبوي، حيث تتحول المناسبة إلى مشهد شعبي واسع تتزين فيه المدن والساحات باللون الأخضر، وتتوافد الحشود لإحياء المناسبة، وبشكل غير مسبوق ولا مثيل له في كل الأقطار العربية والإسلامية، فالمناسبة تمثل بالنسبة إلى قطاعات واسعة من اليمنيين تعبيراً عن الارتباط بالرسول الكريم واستحضار سيرته وقيمه.

وقد أصبحت مشاهد الاحتفالات المليونية في اليمن خلال السنوات الماضية محل اهتمام وإعجاب لدى شرائح من الشعوب العربية والإسلامية، خصوصاً مع ما تحمله من حضور جماهيري كثيف ومظاهر شعبية تعكس ارتباطاً دينياً وعاطفياً بالمناسبة. وفي وقت تتجه صنعاء إلى توسيع الاحتفال بالمولد وتحويله إلى حدث جماهيري كبير، يبدو التباين واضحاً مع السياسة السعودية التي لا تزال ترفض المناسبة رسمياً، رغم الانفتاح الواسع على فعاليات ومناسبات أخرى لم تكن مألوفة في المجتمع السعودي المحافظ.

وهنا تكمن المفارقة التي تغذي حالة الانتقاد والسخط تجاه التحولات السعودية؛ إذ يرى كثيرون أن ما كان يُقدَّم سابقاً باعتباره التزاماً دينياً صارماً، أصبح اليوم يخضع لإعادة تعريف وفق مقتضيات السياسة والتحولات الجديدة. فحين يُمنع الاحتفال بمناسبة دينية بحُجة مخالفة الرؤية الرسمية، بينما تُفتح المساحات أمام أنماط احتفالية وثقافية مستوردة، فإن السؤال يصبح متعلقاً بمعايير الاختيار نفسها، وبالاتجاه الذي يراد للمجتمع السعودي أن يسلكه.

إن الجدل حول المولد النبوي و"اليوم العالمي للكلاب" يتجاوز في جوهره مناسبة عابرة، ليكشف حجم الصراع بين الهوية الدينية التقليدية للمجتمع السعودي وبين مشروع التحول الثقافي الذي يتبناه النظام. وبينما يرى مؤيدو هذا المشروع أنه يمثل انفتاحاً وتحديثاً، يرى خصومه أنه يأتي على حساب ثوابت دينية وثقافية، ويكرس تبعية متزايدة للنماذج الغربية.

خلاصة القول، تبقى المفارقة الأكثر وضوحاً في المشهد هي أن اليمن، رغم الحصار والحرب والظروف الاقتصادية الصعبة، يحافظ على احتفال ديني شعبي واسع بالمولد النبوي يجذب اهتماماً عربياً وإسلامياً، بينما تواجه السعودية انتقادات متصاعدة بسبب ما يعتبره منتقدوها تراجعاً عن صورتها الدينية التقليدية لصالح نموذج ثقافي جديد، لا يزال يثير انقساماً واسعاً داخل المنطقة وخارجها.



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا