تأتي هذه التحركات الميدانية المتزامنة لتكشف عن تحول إستراتيجي فارق في تكتيكات صنعاء العسكرية، إذ لم تعد تكتفي بأسلوب الرد الدفاعي التقليدي أو امتصاص الصدمات الأولى، بل انتقلت بوضوح إلى استراتيجية تجريد الخصم من قدراته الهجومية واللوجستية قبل انطلاق أي عمل عسكري مُحتمَل.
وشملت الضربات الأخيرة نطاقات جغرافية واسعة ومفصلية تضم مأرب، الجوف، شبوة، حضرموت، وتخوم تعز والمخا، وبما يشير إلى أنه لم يكن اختيار هذه المواقع عشوائياً بأي حال، بل لكونها تمثل مراكز الثقل العسكري، ونقاط التجمع البشرية، والدوائر اللوجستية الرئيسية للقوات المدعومة من السعودية.
ومن خلال دقة الضربات، وحجم الخسائر التي خلفتها، في صفوف القوات الموالية للسعودية وعتادها وبناها العسكرية، يتضح أن صنعاء تعتمد في هذه العمليات على بنك أهداف محدّث باستمرار تعززه قدرات استطلاعية واستخباراتية ميدانية عالية الدقة، حيث تم استهداف المعسكرات ومستودعات الذخيرة والعتاد في لحظات التحشيد والتجهيز الأولى، وهذا التكتيك الميداني، يهدف - وفقاً لمحللين عسكريين - إلى تحقيق ما يمكن تسميته بـ "الشلل الميداني المبكر"، مما يمنع الأطراف المناوئة من تحويل قواتها من وضعية الاستعداد إلى حالة الهجوم، ويُبقيها في حالة دفاع دائم وإرباك تنظيمي يُعطل قدرتها على القيادة والسيطرة وتنسيق العمليات بين الجبهات المختلفة.
ولم تنفصل التطورات الميدانية البرية عن المسرح البحري حيث امتدت العمليات الاستباقية لقوات صنعاء إليه والتي كان آخرها ما أعلن الناطق العسكري لقوات صنعاء، العميد يحيى سريع، عن استهداف سفينة تحمل إمدادات عسكرية سعودية وأربعة قوارب تابعة لها قبالة شواطئ المخا، بما يمثله ذلك الاستهداف البحري من نقلة نوعية تنقل المعركة المباشرة إلى خطوط الإمداد الخلفية العابرة للمياه الإقليمية.
ومن خلال استهداف شحنات العتاد العسكري في عرض البحر، تفرض صنعاء معادلة "الحصار المزدوج" على القوات المتمركزة في الساحل الغربي وباب المندب، كما أنها تُرسل من خلال هذه الضربات البحرية رسالة صريحة ومباشرة، مفادها أن نقل العتاد عبر الممرات المائية لم يعد خياراً آمناً، وأن كلفة الاستمرار في دعم القوات المحلية ستتجاوز حدود الحسابات العسكرية المعتادة لتتحول إلى نزيف لوجستي ومادي مستمر لأطراف التحالف، مما يُعقد أساليب التمويل والتسليح المتبعة سابقاً.
على الصعيد السياسي والإستراتيجي، تعكس هذه الضربات رغبة صنعاء الأكيدة في تثبيت واقع ميداني صلب يخدم موقفها في أي تفاهمات أو مفاوضات سياسية جارية أو مرتقبة. إن استعراض القدرة على الوصول العسكري الدقيق إلى عمق المحافظات الغنية بالنفط والغاز كـ (حضرموت وشبوة)، والسيطرة النارية على الممرات البحرية الحيوية كـ (باب المندب)، يرفع بشكل مباشر من سقف شروط صنعاء في ملفات عملية السلام والترتيبات الأمنية والاقتصادية.
وتُظهر هذه التطورات الميدانية أن أي ترتيبات أمنية أو سياسية تُجرى بعيداً عن حسابات ومعادلات صنعاء ستواجه برفض عسكري مباشر في الميدان، مما يمنع أي محاولات لفرض أمر واقع جديد، ويجعل خيار التهميش السياسي للطرف الآخر غير قابل للترجمة عملياً. كما أن هذه الخطوة تضع القوات الموالية للسعودية أمام خيارين أحلاهما مر: إما التقوقع وإعادة حسابات التحشيد تحت حدة الضربات الاستباقية، أو الاندفاع نحو مواجهة أوسع قد تكون تكاليفها اللوجستية والبشرية باهظة وغير مضمونة النتائج في ظل اختلال التوازن الميداني.
وتُثبت ضربات صنعاء الأخيرة أن خرائط النفوذ والسيطرة في اليمن يُعاد رسمها اليوم بلغة الضربات المركزية والاستباقية، وأن زمام المبادرة الميدانية بات بيد الطرف القادر على الربط المحكم بين جغرافيا الصحراء وعمق الممر البحري الدولي.
المصدر:
البوابة الإخبارية اليمنية