آخر الأخبار

ترامب يشعل الحروب وهي تدفع الثمن .. دول الخليج تبحث عن بديل للمظلة الأمريكية

شارك

المفارقة أن دول الخليج التي اعتمدت على الولايات المتحدة بوصفها شريكاً أمنياً رئيسياً، تجد نفسها أمام سؤال استراتيجي صعب: هل يمكن أن تبقى المظلة الأمريكية ضمانة للاستقرار إذا كانت القرارات الأمريكية نفسها تؤدي إلى إشعال صراعات تمتد تداعياتها إلى أراضيها ومصالحها؟ ومن هنا تأتي دلالة الانتقادات الخليجية التي ترى أن واشنطن أشعلت الحرب، بينما تتحمل دول المنطقة كلفة تداعياتها الأمنية والاقتصادية.

ولا تكمن المشكلة في استمرار الحرب فقط، وإنما في الطريقة التي تتعامل بها الإدارة الأمريكية معها. فالتذبذب بين إطلاق التهديدات ضد طهران ثم التراجع عنها والحديث عن إحراز تقدم في المفاوضات يخلق حالة من عدم اليقين لدى الحلفاء. وبالنسبة إلى دول الخليج، فإن غياب الوضوح الاستراتيجي لا يمثل مشكلة سياسية فحسب، بل يتحول إلى خطر أمني مباشر، خصوصاً في ظل استمرار الهجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة.

تدرك العواصم الخليجية أن أي مواجهة واسعة بين الولايات المتحدة وإيران لن تبقى محصورة داخل حدود الطرفين، بل يمكن أن تطال المنشآت الحيوية وممرات الطاقة والتجارة والقواعد العسكرية والمجال الجوي لدول المنطقة. ولذلك فإن الهم الخليجي الأساسي لم يعد يتمحور حول هل ستدافع واشنطن عن دول الخليج بل أصبح يدور حول سياسات واشنطن التي ستؤدي إلى جر هذه الدول إلى صراع لا تملك السيطرة على مساره.

وفي هذا السياق، تكتسب مناقشة مستقبل القواعد العسكرية الأمريكية في الخليج أهمية سياسية كبيرة. فمجرد طرح جدوى استمرار استضافة هذه القواعد يعني أن بعض الحكومات بدأت تعيد النظر في الافتراض التقليدي بأن الأمن الإقليمي لا يمكن ضمانه إلا من خلال الوجود الأمريكي. ومع ذلك، فإن هذا لا يعني أن دول الخليج تتجه إلى القطيعة مع واشنطن، فهي متورطة في علاقات عسكرية واستخباراتية واقتصادية عميقة مع الولايات المتحدة، ومن الصعب استبدالها بصورة سريعة.

الأرجح أن المنطقة تتجه نحو تنويع الشراكات بدلاً من التخلي الكامل عن الولايات المتحدة. ويأتي التقارب مع تركيا وباكستان، إلى جانب توسيع العلاقات مع قوى دولية وإقليمية أخرى، في إطار البحث عن خيارات إضافية تقلل من الاعتماد على مصدر أمني واحد. وهذه السياسة تمنح دول الخليج مساحة أكبر للمناورة، وتسمح لها بتوزيع المخاطر بدلاً من ربط أمنها بالكامل بقرارات قوة خارجية واحدة.

وتكمن خطورة هذا التحول بالنسبة إلى واشنطن في أن فقدان الثقة لا يحدث عادة بقرار مفاجئ، بل يتراكم تدريجياً عبر خطوات مثل توقيع اتفاقيات دفاعية جديدة، وشراء الأسلحة من موردين متنوعين، وتعزيز القدرات العسكرية المحلية، وتوسيع التعاون الأمني مع أطراف أخرى. وقد تبدو هذه الخطوات محدودة كل واحدة على حدة، لكنها مجتمعة يمكن أن تعيد تشكيل توازنات المنطقة على المدى الطويل.

وفي المقابل، فإن بناء منظومة أمنية خليجية مستقلة بالكامل ليس أمراً سهلاً، بسبب اختلاف أولويات دول المنطقة وافتقار البدائل المطروحة إلى القدرة التي تمتلكها الولايات المتحدة من حيث الانتشار العسكري والاستخبارات والتكنولوجيا. لذلك فإن المسار الأكثر واقعية في المرحلة المقبلة قد يكون شراكة أمريكية أقل احتكاراً للأمن الخليجي، إلى جانب شبكة أوسع من العلاقات الدفاعية.

في المحصلة، لا تبدو الأزمة الحالية مجرد خلاف عابر بين واشنطن وحلفائها الخليجيين، بل اختبار حقيقي لمستقبل النفوذ الأمريكي في الشرق الأوسط. فإذا نجحت الإدارة الأمريكية في استعادة الثقة عبر سياسة أكثر وضوحاً واستقراراً، فقد يبقى تنويع الشراكات الخليجية في إطار التحوط الاستراتيجي. أما إذا استمرت حالة التذبذب وعدم اليقين، فقد يتحول هذا التنويع إلى خيار دائم، بما يعني انتقال الخليج تدريجياً من الاعتماد على مظلة أمريكية واحدة إلى منظومة أمنية متعددة الشركاء، وهو تحول قد يعيد رسم ملامح النظام الإقليمي.



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا