آخر الأخبار

أخبار وتقارير - عندما يتحول راتب البروفيسور إلى «تاريخ خمسين»

شارك

ليس من السهل أن ترى أستاذًا جامعيًا يحمل لقب «بروفيسور»، ويشغل منصب رئيس قسم أكاديمي، وقد أفنى سنوات طويلة في التعليم والبحث وخدمة الجامعة، ثم تجده في نهاية الشهر عاجزًا عن توفير أبسط احتياجات أسرته، لكن هذا المشهد لم يعد مجرد حكاية تُروى، بل واقعًا مؤلمًا رأيته بأم عيني.

بعد أن تجاوز تأخر الراتب حاجز الشهر، ودخلنا في نصف الشهر الثاني، سألت زميلي البروفيسور، وهو رئيس قسم جامعي: متى الراتب؟

فأجابني بابتسامة يغلب عليها الألم:

«تاريخ خمسين... يوم الخميس!»

ثم رأيته يحمل من إحدى البقالات احتياجات يومية محدودة: كيلو أرز، كيلو دقيق، علبة زيت صغيرة، وقرطاسين من الطماطم. كمية لا تكاد تكفي أسرة ليوم واحد، فكيف يمكن أن تكفي بيتًا ينتظر راتبًا متأخرًا ولا يعرف متى سيصل؟

كان المشهد بالنسبة لي أقسى من أن يوصف، هذا الرجل الذي يقف أمام الطلاب في قاعة المحاضرات، ويحمل أعلى الدرجات العلمية، ويتحمل مسؤولية أكاديمية وإدارية، أصبح يقيس احتياجات أسرته بـ«الكيلو» و«القرطاس»، ويؤجل حاجاته من يوم إلى آخر، انتظارًا لراتب يفترض أن يكون حقًا شهريًا منتظمًا، ولم تكن معاناته عند حدود الغذاء.

قال لي بحسرة إن الصيدلية التي اعتاد أن يأخذ منها أدوية السكري والضغط بالدَّين أوقفت التعامل معه، بعدما تراكمت عليه المستحقات، وأضاف الصيدلي، وفق ما نقله لي زميلي:

«سدّد ما عليك أولًا، وبعدها نواصل إعطاءك الدواء بالدَّين».

هنا تتجاوز القضية مسألة الراتب وتأخره، فحين يصل الأمر إلى الدواء والصحة وكرامة الإنسان، فإننا أمام أزمة معيشية وإنسانية تستحق أن تسمع أصوات المتضررين منها، حاولت أن أخفف عنه، فقلت له:

«احتفظ بالأمل، ربما يأتي الراتب ومعه الزيادة المعلنة بنسبة 20%، وربما تصرف العلاوات السنوية المتأخرة كما أعلنت الحكومة قبل شهر تقريباً»، فرد بمرارة: «كيف ننتظر الزيادة والعلاوات ونحن لا نستطيع الحصول على الراتب الأساسي في موعده؟ لدينا حقوق وترقيات أكاديمية مستحقة منذ ثمان سنوات، وما زالت مؤجلة من عام إلى آخر»، ثم قال جملة تختصر حجم الإحباط الذي وصل إليه:

«يا دكتور، ابحث لنا عن عمل آخر، فقد أصبحنا عاجزين عن مواجهة متطلبات الحياة. نريد فقط راتبًا منتظمًا يحفظ لنا كرامتنا».

قد تكون هذه الكلمات صادمة، لكنها تعكس حجم الضغط الذي يمكن أن يصنعه تأخر الراتب على الأستاذ الجامعي، وعلى الموظف، وعلى المعلم، وعلى أسرهم، والسؤال هنا ليس عن البروفيسور وحده: إذا كان هذا حال الأستاذ الجامعي الذي يحمل أعلى المؤهلات العلمية ويشغل منصبًا أكاديميًا، فكيف هو حال المعلم الذي يتقاضى راتبًا محدودًا، وكيف تدبر أسرته أمورها في ظل الارتفاع المستمر في تكاليف المعيشة؟

إن انتظام صرف الرواتب ليس منّة، بل حق وظيفي وأساس للاستقرار الاجتماعي والأسري، كما أن معالجة مستحقات الأكاديميين من ترقيات وعلاوات وحقوق مالية ليست ترفًا إداريًا، بل جزء من احترام الكفاءة العلمية وتحفيزها على الاستمرار في أداء رسالتها، فالأستاذ الجامعي لا يريد أن يعيش مترفًا، يريد فقط أن يعيش بكرامة، والمعلم لا يبحث عن امتيازات استثنائية، يريد أن يستطيع إطعام أسرته وتوفير دوائه وسداد ديونه.

إن استمرار تأخر الرواتب، وتراكم المستحقات، وتأجيل الترقيات والعلاوات والتسويات، لا يرهق الموظف وحده، بل ينعكس على الأسرة والمجتمع وعلى جودة التعليم ذاته، لأن من الصعب أن تطلب من المعلم والأستاذ الجامعي أن يقدم أفضل ما لديه، بينما هو منشغل بتدبير لقمة العيش وثمن الدواء.

رسالة إلى كل من يعنيه الأمر: أنقذوا ما تبقى من كرامة الموظف والمعلم والأستاذ الجامعي... فالراتب في موعده ليس رفاهية، بل ضرورة للحياة.

لا حول ولا قوة إلا بالله.

عدن الغد المصدر: عدن الغد
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا