القسم السياسي
لم يكن الهجوم الذي شنته ميليشيا الحوثي على مواقع القوات الحكومية في جبهة البرح غربي تعز، في 14 أغسطس، مجرد مواجهة عابرة على خط تماس ظل حاضرًا في خارطة الحرب لسنوات، بل أعاد تسليط الضوء على واحدة من أكثر المناطق حساسية في المساحة الممتدة بين تعز والساحل الغربي.
فالبرح ليست جبهة مهمة بسبب المدينة نفسها، وإنما بسبب ما تمثله جغرافيًا وعسكريًا. ومن يقرأ خارطة المنطقة يدرك سريعًا أن الصراع هناك يدور على الطرق والمفارق والمرتفعات بقدر ما يدور على الأرض.
وبحسب معلومات حصلت عليها صحيفة عدن الغد من مصادر عسكرية ميدانية، فإن واقع السيطرة في المنطقة يرسم خط تماس بالغ التعقيد.
فالقوات الحكومية تسيطر على مفرق البرح، وتمتد مواقعها باتجاه الوازعية وموزع، إضافة إلى مرتفعات وجبال تشرف على أجزاء واسعة من المنطقة.
وفي الجهة المقابلة، تسيطر ميليشيا الحوثي على مدينة البرح ومصنع الأسمنت وعدد من المواقع الاستراتيجية المحيطة بها، كما تحتفظ بالطريق الممتد شرقًا باتجاه هجدة وتعز.
هذه الخارطة تفسر إلى حد كبير سبب استمرار التوتر في المنطقة.
القوات الحكومية وصلت إلى الأطراف والمداخل، لكنها لم تنتزع مركز البرح، فيما نجحت ميليشيا الحوثي في الاحتفاظ بالمدينة والعقدة الرئيسية للطرق دون أن تتمكن في المقابل من دفع القوات الحكومية بعيدًا عن المفرق والمواقع المطلة عليها.
وهكذا نشأ طوال السنوات الماضية نوع من التوازن العسكري الحذر: كل طرف يمتلك أوراق قوة، لكن أي تقدم كبير لأحدهما من شأنه تغيير وضع الجبهة بأكملها.
لماذا تمثل البرح عقدة مهمة؟
لفهم أهمية البرح، يجب النظر إلى ما وراء حدودها الجغرافية.
فالمنطقة تقع ضمن مديرية مقبنة، وعلى امتداد بري يصل مناطق تعز بالساحل الغربي. ومن جهة الغرب تقع موزع والوازعية والطريق المؤدي نحو المخا، ومن الشرق يمتد الطريق باتجاه هجدة ومنها إلى عمق محافظة تعز.
وهذا الموقع هو الذي منح البرح أهميتها منذ احتدام المعارك في الساحل الغربي عام 2018.
فالسيطرة عليها لا تعني إضافة مدينة جديدة إلى خارطة النفوذ فقط، وإنما تعني امتلاك نقطة مؤثرة على واحد من المسارات التي تصل جبهات الداخل بالساحل.
ومن هنا يمكن فهم تمسك ميليشيا الحوثي بمدينة البرح ومحيط مصنع الأسمنت، مقابل تمسك القوات الحكومية بالمفرق والمرتفعات الواقعة في نطاق سيطرتها.
لماذا هاجم الحوثيون الآن؟
السؤال الأهم ليس أين وقع الهجوم الأخير، وإنما لماذا تحركت هذه الجبهة في هذا التوقيت؟
يصعب فصل ما حدث في البرح عن التصعيد العسكري الأوسع الذي شهدته خلال الفترة الأخيرة جبهات تعز والساحل الغربي ومحيط المخا وباب المندب.
وهنا يبرز احتمال أن يكون تحريك البرح جزءًا من محاولة حوثية لتوسيع مساحة الضغط على خصومها بدل حصر المواجهة في محور واحد.
ففي الحسابات العسكرية، ليس ضروريًا أن تنتهي كل عملية هجومية باحتلال مدينة أو اختراق عشرات الكيلومترات.
أحيانًا يكون مجرد إجبار الخصم على تعزيز جبهة معينة هدفًا بحد ذاته.
فتحريك البرح يعني أن القوات الموجودة في الساحل الغربي مطالبة بإبقاء عينها على الجبهة الشرقية، والاحتفاظ بقوات واحتياطيات قادرة على التعامل مع أي محاولة اختراق.
وهذا يمنح الهجوم بعدًا يتجاوز مساحة الأرض التي دارت عليها الاشتباكات.
هل يستطيع الحوثيون الوصول إلى الساحل من البرح؟
نظريًا، يمثل هذا المحور أحد الاتجاهات البرية التي يمكن عبرها الضغط غربًا، لكن الواقع الميداني يجعل أي تقدم واسع مهمة شديدة الصعوبة.
فالقوات الحكومية لا تتمركز في أرض مفتوحة فقط، وإنما تحتفظ بمواقع ومرتفعات ومداخل تمنحها قدرة على الدفاع والإنذار المبكر، كما أن الطريق باتجاه موزع والوازعية ثم الساحل يمر عبر نطاق جغرافي واسع لا يمكن تجاوزه بعملية خاطفة.
لذلك لا يبدو أن القيمة المباشرة للهجوم الحوثي تكمن بالضرورة في محاولة الوصول إلى المخا.
الأكثر واقعية هو أن ميليشيا الحوثي تريد إبقاء هذا الباب مفتوحًا، وإشعار القوات المقابلة بأن الجبهة الشرقية للساحل قابلة للاشتعال في أي وقت.
وهذا وحده يفرض حسابات عسكرية إضافية على الطرف الآخر.
وماذا لو تحركت القوات الحكومية شرقًا؟
في الاتجاه المعاكس، فإن أي تقدم حكومي ناجح من المفرق باتجاه مدينة البرح ستكون له نتائج أكبر من مجرد السيطرة على بضعة كيلومترات.
سقوط المدينة ومحيط المصنع سيعني تراجع واحدة من نقاط الارتكاز الحوثية المهمة غرب تعز، كما سيمنح القوات الحكومية قدرة أفضل على التحرك باتجاه مناطق مقبنة والضغط على الطريق المؤدي نحو هجدة.
والأهم أن مثل هذا التطور سيقرب جغرافيًا وعملياتيًا بين جبهات تعز والقوات المنتشرة في الساحل الغربي.
ولهذا تدرك ميليشيا الحوثي أن بقاء القوات الحكومية عند مفرق البرح يمثل تهديدًا محتملًا حتى في أوقات الهدوء.
فالمفرق ليس نهاية طريق بالنسبة للقوات الحكومية، وإنما نقطة يمكن أن تتحول في ظروف مختلفة إلى بداية تقدم باتجاه الشرق.
البرح في قلب معادلة أكبر
المشهد في البرح اليوم يشبه بابًا يقف الطرفان على جانبيه.
الحوثيون يحتفظون بالمدينة والطريق الرئيسي وعمقهم باتجاه تعز، بينما تحتفظ القوات الحكومية بالمفرق والمرتفعات والامتداد الغربي باتجاه الوازعية وموزع والساحل.
ولهذا فإن أي كسر حقيقي لخطوط السيطرة الحالية لن يكون حدثًا محليًا محدودًا.
تقدم الحوثيين غربًا سيزيد الضغط على المحور البري المؤدي إلى الساحل، بينما تقدم القوات الحكومية شرقًا سيضع الطريق نحو مقبنة وهجدة تحت معادلة عسكرية مختلفة.
وهنا تحديدًا تكمن أهمية الهجوم الأخير.
قد لا يكون ما حدث بداية معركة كبرى، ولا توجد حتى الآن مؤشرات كافية للجزم بذلك، لكنه رسالة واضحة بأن البرح عادت إلى الحسابات العسكرية بعد فترة من ثبات خطوط التماس.
وفي ظل التصعيد المتزامن في أكثر من جبهة، فإن السؤال لم يعد فقط: من يسيطر على البرح؟
السؤال الأكثر أهمية هو: أي طرف سيحاول كسر حالة التوازن القائمة أولًا؟
لأن من ينجح في تغيير خارطة السيطرة في هذه المنطقة لن يكسب موقعًا عسكريًا فحسب، بل قد يغير جزءًا مهمًا من معادلة الربط بين تعز والساحل الغربي.
المصدر:
عدن الغد