فمنذ إيقاف تصدير النفط، اشترطت صنعاء مقابل السماح باستئناف التصدير تخصيص عائدات النفط والغاز لصرف مرتبات موظفي الدولة في عموم اليمن، مدنيين وعسكريين، وفق كشوفات ما قبل الحرب. وظلت الحكومة والتحالف يرفضان هذه الصيغة، ويتمسكان بإدارة الموارد النفطية من جانب حكومة الشرعية الموالية للتحالف، بينما استمر توقف الصادرات وتفاقمت الأزمة المالية والاقتصادية.
اليوم، تبدو المعادلة قد تغيرت. فعندما يعلن العليمي أن حكومته تعمل على استئناف تصدير النفط والغاز، ويؤكد التزامها بصرف مرتبات موظفي الدولة في مختلف المناطق، فإن ذلك يقترب بصورة واضحة من جوهر الشرط الذي طرحته صنعاء. ويزداد وضوح هذا التحول إذا ما وضع في سياق التصعيد الاقتصادي والعسكري الأخير، وحظر صنعاء تصدير النفط السعودي عبر البحر الأحمر وباب المندب، بما يعكس انتقال الضغط من تعطيل صادرات النفط اليمنية إلى تهديد المصالح النفطية والإمدادات السعودية.
وبذلك، لم يعد ملف المرتبات مجرد قضية إنسانية أو مالية منفصلة عن الصراع، بل تحول إلى ورقة ضغط استراتيجية نجحت صنعاء في ربطها بملف النفط. فاستمرار توقف الصادرات حرم الحكومة والتحالف من أحد أهم مصادر التمويل، وأضعف قدرة الحكومة على دفع المرتبات وتمويل الخدمات، في وقت تحتاج بشدة إلى استعادة مواردها النفطية. ومن هنا أصبح استئناف التصدير مرتبطاً عملياً بضرورة معالجة قضية المرتبات التي كانت صنعاء قد جعلتها شرطاً أساسياً.
ولم يوضح العليمي بصورة تفصيلية آلية إدارة عائدات النفط أو الجهة التي ستشرف عليها أو كيفية توزيعها، كما تحدث عن الاعتماد على الموارد الداخلية لتمويل المرتبات. لكن سياسياً، يصعب تجاهل أن الانتقال من رفض شمول موظفي مناطق صنعاء إلى إعلان الالتزام بدفع مرتباتهم يمثل تراجعاً واضحاً عن الموقف السابق، وتقارباً مع الصيغة التي فرضتها صنعاء كشرط لاستئناف التصدير.
ويبدو أن هذا التحول جاء نتيجة تغير ميزان الضغط أكثر من كونه خياراً طوعياً. فالحكومة والتحالف باتا أمام معادلة صعبة: إما استمرار توقف النفط وما يترتب عليه من خسائر مالية متزايدة، أو القبول بترتيبات تفتح الطريق أمام استعادة التصدير وتخفف في الوقت نفسه من أسباب التصعيد. ومن هذه الزاوية، يمكن فهم الحديث عن الرضوخ باعتباره توصيفاً سياسياً لتحول الموقف تحت ضغط ضربات صنعاء، لا مجرد اعتراف رسمي بالهزيمة.
وفي حال تحولت تصريحات العليمي إلى ترتيبات عملية، وجرى بالفعل توجيه عائدات النفط لصرف مرتبات موظفي الدولة في عموم اليمن بدون استثناء، فإن ذلك سيمثل انتصاراً سياسياً واضحاً لصنعاء في واحدة من أبرز معاركها الاقتصادية. كما سيعني أن الشرط الذي رفضته الحكومة والتحالف لسنوات أصبح جزءاً من المعادلة التي يجري على أساسها البحث عن استئناف صادرات النفط، بما يؤكد أن ميزان القوة والتفاوض في ملف النفط والمرتبات قد تغير بصورة جوهرية لصالح صنعاء.
المصدر:
البوابة الإخبارية اليمنية