آخر الأخبار

ملفات وتحقيقات - «غزوة الرّباح».. حين تدفع أزمة الغذاء قرود البابون إلى اقتحام قرى اليمن

شارك

تحولت مشاهد غير مألوفة لقطيع كبير من قرود «الرباح» وهو يقتحم إحدى القرى في مديرية لودر بمحافظة أبين، إلى مادة واسعة للتفاعل على مواقع التواصل الاجتماعي، بعدما أظهرت مقاطع مصورة حالة من الهلع بين السكان ومحاولات لإبعاد الحيوانات عن المنازل.

ورغم الطابع الطريف الذي حملته بعض التعليقات المتداولة، فإن الظاهرة تكشف في جانب آخر عن مشكلة بيئية ومعيشية آخذة في الاتساع في عدد من المناطق الريفية اليمنية، حيث أصبحت قرود البابون تقترب بصورة متزايدة من المزارع والمساكن بحثاً عن الغذاء، بعدما كانت تعتمد بصورة أساسية على مواردها الطبيعية في الجبال والوديان.


من الجبال إلى أبواب المنازل

تُعد قرود البابون، المعروفة محلياً باسم «الرباح»، من الحيوانات البرية الأصيلة في اليمن، وتنتشر في المناطق الجبلية والوديان بعدد من المحافظات. وكانت هذه الحيوانات، في الظروف الطبيعية، تعيش بعيداً عن التجمعات السكانية، مستفيدة من مصادر الغذاء المتوفرة في بيئتها الطبيعية.

لكن السنوات الأخيرة شهدت تغيراً ملحوظاً في نمط انتشارها وتحركاتها، إذ باتت قطعان منها تقترب من القرى والمزارع، بل وتدخل أحياناً إلى المنازل بحثاً عن الطعام.

ويقول سكان في مناطق ريفية إن المشكلة لم تعد مقتصرة على مشاهدة القرود بالقرب من المساكن، وإنما تحولت إلى اعتداءات متكررة على المحاصيل الزراعية، ما يفرض على المزارعين تخصيص وقت وجهد إضافيين لحماية مزارعهم.

ويعتقد الأهالي أن تراجع مصادر الغذاء في المناطق الجبلية يمثل أحد الأسباب الرئيسية التي تدفع هذه الحيوانات إلى النزول باتجاه القرى، خصوصاً في ظل الظروف البيئية والاقتصادية الصعبة التي أثرت على الموارد الطبيعية.


اختلال التوازن البيئي

ولا ينظر السكان إلى ظاهرة انتشار القرود باعتبارها مشكلة منفصلة عن التغيرات التي شهدتها البيئة اليمنية خلال العقود الماضية.

فقد تراجعت أعداد عدد من الحيوانات المفترسة التي كانت تشكل جزءاً مهماً من النظام البيئي، ومن بينها النمور والفهود والوشق والقطط البرية والضباع. وكان وجود هذه الحيوانات يؤدي دوراً طبيعياً في ضبط أعداد بعض الأنواع والحفاظ على التوازن داخل السلسلة الغذائية.

ومع تراجع أعداد المفترسات، إلى جانب عوامل أخرى مرتبطة بتدهور البيئة وتقلص مصادر الغذاء والمياه، يرى سكان ومراقبون أن بعض أنواع الحيوانات البرية وجدت نفسها أمام ظروف جديدة دفعتها إلى تغيير أنماط تحركها والاقتراب من الإنسان.

وهنا تبرز المفارقة: فالحيوان الذي كان يعيش بعيداً عن التجمعات البشرية أصبح اليوم يقترب منها بحثاً عن الغذاء، بينما يجد الإنسان نفسه مضطراً إلى الدفاع عن محاصيله وممتلكاته.


المزارعون في مواجهة «غزوات» متكررة

بالنسبة للمزارعين، لا تتوقف المشكلة عند مشاهد اقتحام المنازل، إذ تمثل القرود تهديداً مباشراً للمحاصيل الزراعية، خصوصاً الحبوب والفواكه وبعض المزروعات الموسمية.

ويقول مزارعون في مناطق ريفية إن القطعان الكبيرة قادرة على إتلاف مساحات من المحاصيل خلال فترة قصيرة، ما يضاعف خسائرهم في ظل ارتفاع تكاليف الزراعة وتراجع القدرة على تحمل خسائر إضافية.

ولهذا يضطر بعضهم إلى تكثيف الحراسة على المزارع، أحياناً خلال ساعات النهار والليل، في محاولة لمنع القطعان من الوصول إلى المحاصيل.

ومع تكرار الهجمات، لجأ بعض السكان إلى وسائل بدائية لإبعاد القرود، بينها إطلاق الأعيرة النارية وإقامة الحواجز ونصب الفخاخ، فيما لجأ آخرون إلى أساليب أكثر خطورة، مثل تسميم الحيوانات.

غير أن هذه الممارسات لا تقدم حلاً مستداماً للمشكلة، فضلاً عن مخاطرها على البيئة والحيوانات الأخرى، واحتمال تحولها إلى مصدر تهديد للإنسان نفسه.


لماذا تتجه القرود إلى القرى؟

يرتبط سلوك قرود البابون بدرجة كبيرة بتوفر الغذاء والماء. فهي حيوانات قادرة على التكيف مع البيئات شبه الجافة، وتعيش في مجموعات كبيرة ومتماسكة، وتتحرك بصورة جماعية بحثاً عن مصادر الغذاء.

وتعتمد في غذائها على الفواكه والبذور والنباتات، كما يمكن أن تتغذى على بعض الكائنات الصغيرة، بينها القوارض والطيور، وقد تشمل غذاءها أحياناً صغار بعض الحيوانات.

ومع تراجع الموارد الطبيعية، تصبح المحاصيل الزراعية والمخلفات الغذائية القريبة من التجمعات السكانية مصدراً سهلاً وجذاباً لها.

وهذا ما يفسر، وفق السكان، تزايد ظهورها قرب المنازل والمزارع، خصوصاً في المناطق التي تحيط بها الجبال والأودية التي تمثل موطناً طبيعياً لها.


«غزوة الرباح».. السوشيال ميديا تسخر من الظاهرة

لم تمر مقاطع اقتحام القرود للقرية في لودر دون تفاعل واسع من اليمنيين على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث تراوحت التعليقات بين السخرية من المشهد وبين التحذير من أسبابه البيئية.

وتساءل أحد المتابعين عن سبب غياب تحرك جماعي من سكان القرية لطرد القرود، في تعليق عكس حجم المفاجأة التي أثارتها المشاهد.

وربط آخر عودة القرود إلى المناطق السكنية بالتغيرات التي طرأت على الحياة والبيئة في اليمن، معتبراً أن المشهد يعكس عودة بعض مظاهر الماضي التي اختفت لفترة طويلة.

في المقابل، رأى آخرون أن تراجع أعداد الحيوانات المفترسة، مثل الضباع والنمور، ساهم في اختلال التوازن البيئي، محذرين من أن القضاء على المفترسات دون توفير بدائل طبيعية لتنظيم أعداد الحيوانات الأخرى قد يؤدي إلى نتائج عكسية.

بينما ذهب آخرون إلى أن الجوع وتراجع الغذاء في الجبال يمثلان السبب الأكثر وضوحاً في دفع القرود إلى الاقتراب من القرى والمنازل.


مشكلة بيئية تحتاج إلى حلول علمية

وتكشف هذه الظاهرة عن حاجة ملحة إلى التعامل مع الحياة البرية في اليمن باعتبارها جزءاً من منظومة بيئية متكاملة، وليس من خلال حلول فردية تقوم على قتل الحيوانات أو تسميمها.

فالقرود، كما الحيوانات المفترسة، تؤدي أدواراً داخل النظام البيئي، وأي تدخل عشوائي في أعدادها قد يؤدي إلى اختلالات جديدة يصعب السيطرة عليها.

وتحتاج معالجة المشكلة إلى دراسات ميدانية تحدد أعداد قطعان البابون ومناطق انتشارها ومصادر غذائها ومسارات تحركها، إلى جانب دراسة أسباب تراجع الموارد الطبيعية في موائلها.

كما يمكن أن تشمل الحلول إجراءات للحد من وصولها إلى المحاصيل والمساكن، وتحسين إدارة النفايات ومصادر الطعام المكشوفة، وإيجاد وسائل غير قاتلة لإبعادها عن المناطق المأهولة.


بين معاناة الإنسان وحماية الحيوان

المشهد الذي بدأ بمقطع فيديو لقطيع من القرود يقتحم قرية يمنية قد يبدو للوهلة الأولى مادة طريفة للتداول على مواقع التواصل الاجتماعي، لكنه يخفي خلفه قضية أكثر تعقيداً تتعلق بتدهور البيئة وتراجع الموارد الطبيعية واختلال التوازن بين الإنسان والحياة البرية.

فالمزارع الذي يخسر جزءاً من محصوله بسبب القرود يواجه مشكلة حقيقية، كما أن استمرار قتل الحيوانات المفترسة أو التعامل العشوائي مع القرود لن يؤدي بالضرورة إلى حل المشكلة.

وبين حاجة السكان إلى حماية منازلهم ومزارعهم، وضرورة الحفاظ على الحياة البرية، تبرز أهمية وجود تدخل مؤسسي قائم على الدراسات العلمية، يعالج أسباب الظاهرة بدلاً من الاكتفاء بملاحقة نتائجها.

وفي بلد أنهكته الحرب وتراجع الخدمات وتدهور الاقتصاد، تبدو «غزوات الرباح» في قرى أبين وغيرها من المناطق الريفية رسالة إضافية عن حجم التغير الذي أصاب البيئة اليمنية؛ حيث لم تعد تداعيات الأزمات محصورة في الإنسان وحده، بل امتدت إلى الحيوانات البرية التي بدأت بدورها تبحث عن ملاذ وغذاء خارج موائلها الطبيعية.

عدن الغد المصدر: عدن الغد
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا