أبرز الاعتراضات تتعلق بالجانب الدستوري. فقد قال رئيس الكتلة البرلمانية لحزب الخير، تورهان شومَز، إن الاتفاق، بما يتضمنه من اعتبار أي هجوم على إحدى الدول الثلاث هجوماً عليها جميعاً، يحتاج إلى إحالة واضحة إلى البرلمان والتصديق عليه وفق المادة 90 من الدستور التركي. ويرى شومَز أن السؤال الأساسي هو: ما التهديد الذي تواجهه تركيا حتى تدخل في التزام دفاعي بهذا الحجم؟ فوجود تهديدات مباشرة ضد السعودية أو باكستان لا يعني بالضرورة أن تركيا مطالبة بالدخول في الحرب دفاعاً عنهما.
هذه النقطة تكشف المشكلة الرئيسية في الاتفاق من وجهة نظر المعارضين. فتركيا قد تجد نفسها أمام موقف صعب إذا اندلعت مواجهة بين السعودية وإيران، أو بين باكستان والهند، أو في حال تطورت أزمات أخرى مرتبطة بالدولتين. وبموجب منطق الدفاع المشترك، قد يصبح على أنقرة اتخاذ موقف عسكري أو سياسي واضح في صراع لم يبدأ بسببها ولا يتعلق بالضرورة بأمنها المباشر.
ويزداد هذا القلق بسبب طبيعة الأطراف الثلاثة. فباكستان دولة نووية، ولديها خلافات طويلة مع الهند حول كشمير، كما تواجه تحديات أمنية على حدودها مع أفغانستان وإيران. أما السعودية، فتوجد في قلب عدد من الملفات الإقليمية الحساسة، من الصراع مع إيران إلى الحرب مع أنصار الله، إضافة إلى ارتباطها بعلاقات أمنية وسياسية واسعة مع الولايات المتحدة وإسرائيل. وبالتالي، فإن توقيع اتفاق دفاعي معها لا يعني فقط تعزيز العلاقات التركية السعودية، بل يعني أيضاً احتمال انتقال بعض أزمات المنطقة إلى الحسابات الأمنية التركية.
من هنا جاءت لهجة نائب رئيس الكتلة البرلمانية لحزب الجديد، مراد أمير، الذي اعتبر أن تقديم الاتفاق باعتباره "عبقرية استراتيجية" يخفي مشكلة أكبر تتعلق بطريقة صناعة القرار في السياسة الخارجية التركية. ويرى أمير أن الاتفاق قد يحول تركيا من دولة تحاول إدارة علاقاتها مع مختلف أطراف المنطقة إلى طرف ملتزم بالدفاع عن حلفائه في أزمات متعددة.
لكن الانتقادات لا تعني بالضرورة أن الاتفاق سيقود تلقائياً إلى تدخل عسكري تركي في كل أزمة. فمثل هذه الاتفاقيات يمكن أن تترك مساحة واسعة للتقدير السياسي، كما أن طبيعة الالتزامات الفعلية تعتمد على نص الاتفاق وآليات تنفيذه والتفسيرات القانونية له. لذلك، فإن السؤال الأهم ليس فقط ما إذا كان الاتفاق دفاعياً، وإنما ما حدود هذا الدفاع ومتى يصبح الالتزام العسكري واجباً على تركيا؟
وتكتسب تصريحات السفير التركي المتقاعد ميثات ريندي أهمية في هذا السياق، إذ اعتبر أن الاتفاق يأتي ضمن ترتيبات دفاعية تسعى إليها الولايات المتحدة، وأنه يعكس في الوقت نفسه وجود ثغرة أمنية لدى السعودية. وهذا يعني أن الاتفاق يمكن فهمه ليس فقط كترتيب تركي سعودي باكستاني، بل كجزء من إعادة تشكيل التوازنات الأمنية في المنطقة.
في النهاية، تكشف الانتقادات التركية أن الاتفاق لا يزال يواجه سؤالاً سياسياً أساسياً داخل تركيا: هل يمثل توسيعاً لنفوذ أنقرة، أم توسيعاً للالتزامات التي قد تجد نفسها مضطرة لتحملها؟ وبين هذين الاحتمالين، سيبقى موقف البرلمان التركي وطبيعة الالتزامات القانونية والعسكرية التي يتضمنها الاتفاق العامل الأهم في تحديد مستقبله.
المصدر:
البوابة الإخبارية اليمنية