آخر الأخبار

التحالف بين الرياض وأنقرة وإسلام آباد : حبر على ورق أم ولادة متعثرة لمظلة أمنية مخروقة

شارك

ولم يكن الإعلان عن هذا التحالف وليد فراغ، بل يأتي في توقيت يشهد تراجع الاعتماد على المظلات الأمنية التقليدية، وتحديدا الغربية، وخاصة بعد فشل أمريكا في توفير أي حماية للدول التي تحتضن قواعدها في المنطقة، الأمر الذي جعل هذه الدول وعلى رأسها السعودية، تبحث عن مظلات حماية جديدة أو بديلة، مع حالة من عدم اليقين حول جدوى هذه المظلات المستجلبة.

وفي استقراء لمسار التحالفات السابقة التي أعلنت عنها السعودية على مدى العقد الأخير، فإن هذا التحالف الجديد يصطدم مباشرة بأرشيف ثقيل من الإخفاقات المشابهة، حيث أن تاريخ التحالفات الإقليمية التي قادتها أو شاركت فيها الرياض يزخر بالشواهد على غياب الجدوى العملية؛ فالتحالف الإسلامي العسكري الذي أُعلن عام 2015 وضم إحدى وأربعين دولة بقي حبراً على ورق دون أي أثر ميداني، بينما تقلص تحالف عاصفة الحزم سريعاً بانحسار المشاركات الفاعلة، وصولاً إلى تحالف البحر الأحمر الذي يبدو حتى الآن إطاراً شكلياً يفتقر إلى رؤية واضحة المعالم، أو استراتيجية عسكرية محددة.

ويرى محللون أن هذا الإرث من التحالفات التي غلب عليها الطابع الإنشائي يجعل من الصعب التعامل مع اتفاقية مكة كمنجز عسكري، بل يعزز فرضية أنها تعبير عن مأزق الهياكل التقليدية المهترئة، بالتزامن مع عجز المنظومات السابقة مثل جامعة الدول العربية ومجلس التعاون الخليجي عن حماية أمن أعضائها.

ويضيف المحللون أن حتمية فشل هذا التحالف لا تستند فقط إلى السوابق التاريخية، بل تنبع من جدار التقاطعات الجيوسياسية الحادة واستحالة التطبيق العملي بنوده.. فعلى مستوى الحسابات الاستراتيجية، فإنه من المستبعد أن تقدم تركيا أو باكستان الدخول في صدام مباشر أو عسكري مع إيران بحكم الجوار والروابط الاقتصادية والحدودية الوثيقة، وفي المقابل تتقاطع مصالح السعودية وتركيا مع الهند بشكل يمنع تحولهما إلى خصمين لنيودلهي..

علاوة على ذلك، ترتبط أنقرة بالتزامات صارمة كعضو فاعل في حلف الناتو تمنعها من خوض حروب خارج المظلة أو التوافق الغربي والأوروبي.

أما على صعيد الملف اليمني، فتتباين المصالح الجوهرية بين الأطراف الثلاثة؛ حيث ترى أنقرة وإسلام آباد أن الأزمة اليمنية لا حل عسكري لها، بل يجب خفض التصعيد، والدفع بعملية السلام، وهو ما وقفت الرياض حجر عثرة أمامه منذ التوصل إلى خارطة السلام برعاية الأمم المتحدة، بينما تتمسك الرياض باستراتيجيتها التي تتضمن إخضاع اليمن وبقاءه حديقة خلفية لها، وهذه التناقضات تجعل أي تنسيق عملياتي شبه مستحيل عند أول اختبار حقيقي.

وبحسب خبراء ومحللين، فإن هءا الاتفاق يفتقر إلى الأركان الهندسية والعسكرية الصلبة لأي معاهدة دفاع حقيقية، مثل آلية المادة الخامسة للناتو التي تحكمها قيادة وسيطرة موحدة، وتحديد دقيق لنوع الخطر، ووسائل الرد، وحسابات التدخل، مؤكدين أن غياب هذه التفاصيل التقنية الدقيقة يؤكد أن الدوافع خلف الاتفاق كانت مالية وسياسية بحتة، حيث تبحث الرياض عن تنويع شراكاتها الأمنية، بينما تسعى أنقرة وإسلام آباد لاجتذاب عمق مالي خليجي لإنقاذ اقتصاديهما المتعثرين.

وتأسيسا على ما سبق، فإن "اتفاقية مكة" تبدو –من منظور تحليلي مجرد من العواطف– محكوماً عليها بالفشل في مهدها، لكونها تقوم على تحالفات هشة تجمع بين كيانات ذات أولويات متنافرة ومسارح عمليات متباعدة، خاصة وأن غياب الآليات العسكرية الصارمة ووجود التقاطعات الإقليمية العميقة يحيل الاتفاق من معاهدة ردع حقيقية إلى مجرد مناورة مؤقتة، ستتكسر قريباً على صخرة الحقائق الجيوسياسية الصلبة.



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا