ويبرز في هذا السياق الطرح المتعلق بالمنظور الجيوسياسي والسيادي لليمن، والذي يؤكد على مشروعية حق الدولة اليمنية في فرض سيادتها الكاملة على مياهها الإقليمية، بما تشمله من ممرات ومسارات ملاحية تمر ضمن نطاقها الجغرافي والسيادي.
يحظى مضيق باب المندب بمكانة استراتيجية لا تُضاهى، إذ تتدفق عبره نسبة هائلة من تجارة العالم وسفن نقل النفط والسلع الاستراتيجية.. وهذا الموقع الفريد يقع مباشرة ضمن الجغرافيا السيادية لليمن وساحلها الممتد، فضلاً عن جزيرة ميون الحاكمة لمدخل المضيق، إلا أن هذه الجغرافيا الاستراتيجية وضعت اليمن في قلب معادلة بالغة التعقيد؛ حيث تتحمل الدولة اليمنية تاريخياً وميدانياً الأعباء الأمنية والبيئية والاقتصادية الجسيمة الناتجة عن كثافة حركة الملاحة الدولية الضخمة، بما في ذلك مخاطر التلوث البحري وحوادث النقل البحري، فضلاً عن الانعكاسات المباشرة للنزاعات الإقليمية والدولية على مياهها الإقليمية، ودون أن ينعكس ذلك بوجود عوائد أو دور إداري حقيقي يكفل حماية المصالح الوطنية العليا للبلاد.
يرتكز هذا الطرح السيادي على مبادئ القانون الدولي العام التي تكفل لأي دولة ذات سيادة السيطرة التامة على مياهها الإقليمية ومياهها الداخلية ومجالها الجوي والبري.. ووفقاً للمفاهيم المستقرة للسيادة، تتمتع اليمن بحقوق سيادية كاملة على نطاقها الإقليمي البحري، مما يمنحها الحق المشروع في تنظيم حركة الملاحة الساحلية، والرقابة الجمركية والأمنية، وحماية السواحل والبيئة البحرية.
ولا يغيب عن هذا التصور أن تكريس السيادة الوطنية لا يعني بالضرورة إغلاق الممرات أو عرقلة التجارة، بل يمثل انتقالاً استراتيجياً من دور المتفرج المتضرر إلى دور الدولة المديرة والمسؤولة عن تأمين قطاع استراتيجي حيوي يجتاز أراضيها ومياهها، بما يضمن حفظ الأمن القومي اليمني ويمنع تحويل الممر إلى ساحة لصراعات مفتوحة بين القوى الكبرى بمعزل عن إرادة أصحاب الأرض.
ومن هذا المنظور، تنطلق رؤية حكومة صنعاء من تأكيد راسخ على حق اليمن السيادي والتاريخي في فرض سيطرتها وإدارتها الكاملة على مياهها الإقليمية وجميع الممرات الملاحية الواقعة ضمن نطاقها الجغرافي. وتشدد هذه الرؤية على رفض الهيمنة الخارجية واعتبار أمن باب المندب ومياهه الإقليمية شأناً وطنياً يمني بامتياز، مع التأكيد على عدم جواز تحويل الممر المائي إلى مسرح لتواجد عسكري أجنبي أو بحريات دولية تعمل خارج إطار السيادة اليمنية وموافقتها. كما تعتبر فرض السيطرة الوطنية على مسارات الملاحة ضرورة حتمية لحماية السواحل اليمنية من أي مخاطر بيئية محتملة، أو أطماع استراتيجية تسعى للنيل من السيادة الوطنية، فضلاً عن إبراز الحق الأصيل للدولة في تنظيم شؤون الملاحة البحرية المارة عبر نطاقها الإقليمي بما يخدم استقرار المنطقة ويحفظ المصالح العليا للليمن بعيداً عن الوصاية الدولية.
ويستند هذا الطرح المتعلق بحق اليمن في إدارة الملاحة وتأمينها في باب المندب، إلى مبررات أمنية وبيئية وتشغيلية لا غنى عنها لأي دولة تشاطئ ممراً دولياً حساساً، حيث إن مرور مئات ناقلات النفط الضخمة والسفن العملاقة يومياً يفرض تحديات بيئية هائلة تتضرر منها السواحل والشعاب المرجانية ومصايد الأسماك اليمنية بشكل مباشر جراء أي حوادث محتملة أو تسربات، مما يجعل التنظيم والرقابة أمراً حيوياً. يضاف إلى ذلك أهمية فرض الرقابة الفاعلة على خطوط الملاحة للحد من أي أنشطة غير مشروعة أو تهديدات أمنية تستهدف السواحل اليمنية والمياه الإقليمية.
على الصعيد الاقتصادي والتنموي، يمثل غياب الدور الإداري والسيادي لليمن في مياهها الإقليمية نزيفاً مستمراً للموارد التي تستحقها الخزينة الوطنية مقابل الأعباء الجسيمة التي تتحملها البلاد. فالعديد من الممرات والمضايق الاستراتيجية حول العالم تعتمد على تنظيم حركة المرور البحري وفرض عوائد تنظيمية وتشغيلية عادلة مقابل خدمات الإرشاد والتأمين والمساعدات الملاحية.
وبالنظر إلى تلك المبررات السيادية والأمنية والاقتصادية والجيوسياسية، فإن استعادة اليمن لحقها في إدارة هذا المرفق المائي يفتح افاقاً واسعة لتوفير موارد اقتصادية سيادية تساهم في دعم الاقتصاد الوطني المعثر، وتمويل مشاريع حماية البيئة البحرية وتطوير البنى التحتية الساحلية، وتحويل هذا الموقع الجغرافي من مصدر للأزمات والاستنزاف إلى رافد تنموي مستدام يخدم التنمية والاستقرار الشامل في البلاد.
علاوة على ذلك، فإن الإدارة الوطنية الفاعلة لمضيق باب المندب تسهم بشكل مباشر في صياغة معادلة استراتيجية جديدة تنهي حالة الاستباحة الأمنية والسياسية للمياه الإقليمية اليمنية، خاصة وأنه طالما تعرضت السواحل والمياه اليمنية لمحاولات فرض أجندات خارجية وتواجد عسكري مكثف لدول كبرى تتخذ من حماية الملاحة ذريعة لتثبيت قواعد نفوذ عسكري دائم في المنطقة، وهو ما يشكل انتهاكاً صارخاً للسيادة الوطنية وتهديداً مباشراً للأمن القومي لليمن وللدول المطلة على البحر الأحمر، ولذلك فإن بسط الدولة لسيطرتها وإدارتها الكاملة يعيد الاعتبار لمفاهيم السيادة الوطنية المصانة بموجب المواثيق الدولية، ويؤكد أن أمن الممر المائي لا يمكن أن يتحقق بمعزل عن إرادة أبناء الأرض وأصحاب المصلحة الحقيقية في الاستقرار والسلام.
المصدر:
البوابة الإخبارية اليمنية