آخر الأخبار

الملاحة السعودية تتراجع 46% وناقلات النفط 39%.. باب المندب يضغط على الرياض

شارك

ووفقًا لبيانات الشركة، انخفضت عمليات عبور السفن المرتبطة بالسعودية عبر مضيق باب المندب بنسبة 46% منذ 20 يوليو/تموز، وهو أكبر تراجع سجلته «ويندوارد» بين جميع مجموعات السفن التي شملها الرصد. ويشير هذا الانخفاض إلى أن شركات الملاحة لم تعد تتعامل مع التهديدات القائمة باعتبارها عاملًا مباشرًا في اتخاذ قرارات العبور وتحديد المسارات وتقييم كلفة المخاطر.

ويتزامن هذا التحول في حركة الملاحة مع إعلان القوات المسلحة اليمنية فرض حصار بحري على الملاحة المرتبطة بالسعودية، في إطار معادلة «الحصار بالحصار»، إلى جانب إعلانها استهداف ثلاث سفن سعودية حاولت كسر، الحظر

ويمنح هذا التطور الأرقام التي رصدتها «ويندوارد» سياقًا عملياتيًا مباشرًا، إذ يبدو أن الإعلان والعمليات المصاحبة له أسهما في دفع شركات الشحن والتأمين إلى إعادة تقدير مستوى الخطر المرتبط بالعبور نحو الموانئ السعودية أو الانطلاق منها.

ولا تقتصر دلالة التراجع على عدد السفن التي عبرت المضيق، بل تمتد إلى التحول في السلوك التشغيلي لشركات الشحن. فحين تنخفض الحركة بهذا الحجم خلال مدة محدودة، فإن ذلك يعني أن عددًا من المشغلين قرروا تأجيل الرحلات أو تغيير المسارات أو إعادة تقييم جدوى المرور من المنطقة. وفي بيئة الملاحة التجارية، يكفي ارتفاع احتمال الاستهداف لكي تبدأ آثاره في الظهور على حركة السفن والتأمين وأسعار النقل، حتى من دون توقف الملاحة بصورة كاملة.

وتقول «ويندوارد» إنها رصدت نحو 158 سفينة تنطبق عليها معايير الحظر المفروض على الملاحة المرتبطة بالسعودية، بما يجعلها أهدافًا محتملة ضمن نطاق التهديد القائم ما يكشف اتساع الدائرة التي باتت مطالبة بحساب المخاطر قبل الاقتراب من باب المندب أو التوجه إلى الموانئ السعودية المطلة على البحر الأحمر.

ويبدو التأثير أكثر وضوحًا في قطاع الطاقة، إذ انخفضت عمليات عبور ناقلات النفط الخام عبر المضيق بنسبة 39%. ويرتبط هذا التراجع، بحسب بيانات الشركة، بقيام شركات تأمين برفض تغطية السفن المرتبطة بالسعودية. وتعد هذه النقطة من أخطر التداعيات الاقتصادية، لأن حركة تجارة النفط لا تعتمد فقط على توافر الخام وقدرة الميناء على تحميله، بل تحتاج أيضًا إلى ناقلات مستعدة للدخول، وتغطية تأمينية مقبولة، وضمانات تسمح باستمرار الرحلة من دون تكاليف استثنائية.

وعندما ترفض شركات التأمين تغطية رحلة معينة، أو تفرض عليها أقساطًا مرتفعة، تصبح عملية نقل النفط أقل جدوى من الناحية التجارية، وقد تطلب شركات الناقلات تعويضات إضافية عن المخاطر أو تؤجل الوصول إلى الميناء أو ترفض الرحلة بالكامل. وبهذا يتحول التهديد البحري من احتمال عسكري إلى كلفة مالية وتشغيلية مباشرة، تتحملها شركات الشحن والمصدرون والمشترون، وقد تنعكس في النهاية على شروط بيع النفط السعودي ومواعيد تسليمه.

ويمثل ميناء ينبع محورًا أساسيًا في هذه المعادلة، إذ تستخدمه السعودية منفذًا لتصدير النفط عبر البحر الأحمر، بما يخفف اعتمادها الكامل على الموانئ الشرقية المطلة على الخليج ومضيق هرمز. ولذلك فإن اضطراب الحركة حول ينبع لا يؤثر في ميناء منفرد فحسب، بل يضغط على إحدى أهم الأدوات التي بنتها الرياض لتنويع مسارات صادراتها النفطية وتوزيع المخاطر بين الخليج والبحر الأحمر.

كما يمكن أن يؤدي انخفاض وصول الناقلات إلى ينبع إلى تأخير عمليات التحميل وتراكم النفط في الخزانات الساحلية أو في منظومة النقل الممتدة إلى الميناء. وإذا استمرت الاختناقات فترة طويلة، فقد تضطر الشركات إلى تعديل جداول الضخ أو خفض معدلات التصدير مؤقتًا، بسبب تراجع القدرة على شحن الخام ونقله إلى الأسواق بالوتيرة المخطط لها.

أما بالنسبة إلى المشترين، فإن عدم اليقين بشأن مواعيد وصول الشحنات قد يدفع بعض المصافي إلى البحث عن إمدادات بديلة أكثر انتظامًا، خصوصًا عندما تكون العقود مرتبطة بجداول تشغيل دقيقة. وقد تضطر السعودية، في بعض الحالات، إلى تقديم شروط تجارية أكثر مرونة أو تحمل جزء من تكاليف الشحن والتأمين للمحافظة على تنافسية خامها وضمان عدم انتقال العملاء إلى موردين آخرين.

وتكمن أهمية التطورات الحالية تكمن في أنها تزيد كلفة استخدام هذه الشبكة، وتضغط على مرونتها، وتقلل الفائدة الاستراتيجية من ميناء ينبع بوصفه بديلًا عن المسار الشرقي. فكل ناقلة ترفض دخول البحر الأحمر، وكل وثيقة تأمين يجري تعليقها، تعني عبئًا إضافيًا على عملية التصدير، حتى لو استمرت الشحنات في الخروج عبر مسارات البحرية،

وقد يكون الأثر أكثر وضوحًا على الصادرات المتجهة من ينبع إلى الأسواق الأوروبية والبحر المتوسط، إذ يمنح الموقع الجغرافي للميناء ميزة مهمة في تقليص مسافات النقل مقارنة بشحن النفط من الموانئ الشرقية عبر مضيق هرمز ثم الالتفاف نحو البحر الأحمر أو حول رأس الرجاء الصالح لكنها على مايبدو قد تفقد هذه الميزة بسبب المخاطر البحرية، علاوة على ذلك فإن الرحلات ستصبح أطول وأكثر كلفة، وستحتاج الناقلات إلى وقت إضافي، ما يقلل عدد الشحنات التي يمكن لكل سفينة تنفيذها خلال الفترة نفسها.

وتضع هذه التطورات السعودية أمام معادلة معقدة: فالإنتاج النفطي قد يبقى مستقرًا، لكن القدرة على تسويقه ونقله في الوقت المحدد تصبح أكثر عرضة للاضطراب. وفي تجارة النفط، تقاس قوة المصدر بقدرته على إيصاله إلى المشتري بأمان وبكلفة تنافسية وفي الموعد المتفق عليه. ولذلك فإن الضغط على الملاحة والتأمين يمكن أن يتحول تدريجيًا إلى ضغط على الإيرادات والتدفقات النقدية، حتى من دون إصابة المنشآت النفطية أو وقف الإنتاج.

أما المؤشر الأكثر إثارة للانتباه، فيتمثل في إعلان «ويندوارد» أن جميع السفن الراسية في ميناء ينبع وفي منطقة الانتظار المحيطة به أوقفت إشارات التتبع الخاصة بها، في وقت ارتفعت فيه الحركة السرية للسفن المرتبطة بالسعودية بنسبة 144%. ويعكس هذا السلوك محاولة لتقليل ظهور مواقع السفن ومساراتها أمام منصات الرصد البحرية المفتوحة، وتجنب الكشف المباشر عن ارتباطها بالموانئ السعودية.

لكن إيقاف إشارات نظام التعريف الآلي لا يعني اختفاء السفن فعليًا، إذ تظل الأقمار الصناعية والرادارات الساحلية ووسائل الرصد البصري والحراري قادرة على متابعة جانب كبير من الحركة البحرية. كما أن الإبحار أو الرسو من دون بث الإشارات قد يخلق مخاطر إضافية تتعلق بالسلامة البحرية واحتمالات التصادم وصعوبة إدارة الحركة في الممرات ومناطق الانتظار.

ويكشف ارتفاع الحركة السرية بهذا الحجم أن الجهات المشغلة باتت تتعامل مع التهديد بدرجة عالية من الجدية. فالسفينة التي تطفئ إشاراتها تحاول تقليل احتمالات رصدها أو ربطها بميناء أو وجهة معينة. وهذا يعني أن التأثير لم يعد محصورًا في تغيير المسارات، بل امتد إلى تعديل السلوك الملاحي نفسه وإعادة تنظيم عمليات الوصول والانتظار والمغادرة.

وتأتي هذه المؤشرات في سياق المعادلة التي أعلنتها صنعاء تحت عنوان «الحصار بالحصار والميناء بالميناء»، والقائمة على نقل آثار القيود المفروضة على اليمن إلى المصالح الاقتصادية والملاحية السعودية. ووفق هذه المعادلة، لا يقتصر الضغط على تنفيذ عمليات عسكرية مباشرة، وانما يمتد إلى سلاسل الإمداد والتأمين البحري وحركة التجارة وصادرات النفط المرتبطة بالسعودية.

ومن الناحية الاستراتيجية، لا يتطلب نجاح هذه المعادلة إيقاف جميع السفن أو إغلاق الموانئ بصورة كاملة. فالردع البحري يمكن أن يتحقق من خلال خلق بيئة من عدم اليقين، تدفع شركات الملاحة إلى تغيير سلوكها طوعًا، وتجبر شركات التأمين على إعادة تصنيف المخاطر ورفع الأقساط أو رفض التغطية. وعندما ينخفض عبور السفن المرتبطة بالسعودية بنسبة 46%، وتتراجع حركة ناقلات النفط بنسبة 39%، وترتفع الحركة السرية بنسبة 144%، فإن ذلك يعكس أثرًا فعليًا يمكن قياسه في حركة الملاحة.

وتكمن خطورة هذا النوع من الضغط في أنه يتسع تدريجيًا من دون الحاجة إلى تعطيل الموانئ بالقوة. فالميناء قد يبقى مفتوحًا، والمنشآت قد تواصل عملها، لكن عزوف السفن عن الوصول إليه أو ارتفاع كلفة التأمين والنقل يمكن أن يؤدي عمليًا إلى إضعاف نشاطه وتقليص قدرته التشغيلية، ويجبر المصدر النفطي على إعادة توزيع الشحنات وتحمل كلفة أكبر للوصول إلى الأسواق.


* عرب جورنال


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا