ونظرا للتوقيت الذي أعلنت فيه الرياض عن هذا التحالف، وما تشهده المنطقة من تعقيدات وتوتر متصاعد، فإن هذا الإعلان يطرح تساؤلات ملحة حول خلفيات هذه الخطوة ومآلاتها في ظل معطيات إقليمية وميدانية معقدة تؤكد جميعها أن هذا التشكيل يوشك أن يولد ميتاً، وأن كلفة السلام تظل أقل بكثير من فاتورة التصعيد الباهظة.
وكشفت تقارير صحفية وتحليلات سياسية أن الهدف غير المعلن من تشكيل هذا التحالف يتجاوز الأطر التقنية لحماية الملاحة، ليمثل غطاءً محتملاً لشن حرب شاملة جديدة في اليمن. وقد بدا واضحاً عقم هذا التحالف منذ لحظة إعلانه؛ إذ يضم في عضويته دولاً لا علاقة جغرافية لها بالبحر الأحمر ولا تمتلك فيه مصالح استراتيجية مباشرة، مما يجعله تجمعاً هزيلاً تفتقر أطرافه لأدنى مقومات التجانس الميداني، وهو ما ينذر بفشله الذريع في تحقيق أي أهداف عملياتية على الأرض وتقويض فرص الحل السياسي الهشة.
ويرى محللون أن الاندفاع نحو خيار التصعيد يعيد الأوضاع إلى نقطة الصفر مقارنة بالعدوان الذي شنته السعودية على اليمن في أواخر مارس 2015 تحت لافتة إعادة الشرعية، حيث خلفت تلك الحرب كارثة إنسانية غير مسبوقة تمثلت في مقتل قرابة نصف مليون يمني، وجرح ونزوح أضعافهم، فضلاً عن الدمار الهائل في البنى التحتية وانهيار الاقتصاد، مما جعل اليمن يعيش أسوأ أزمة إنسانية يشهدها العالم بأسره، وفقاً للتقارير الأممية والدولية.. مشيرين إلى أن استحضار هذه الذاكرة الدامية يبرز بوضوح الفارق الهائل بين فداحة الخسائر البشرية والمعيشية وبين أي مكاسب وهمية قد ترتجيها الرياض من وراء مغامرة عسكرية جديدة.
في المحصلة الاستراتيجية، مُني التحالف الذي قادته السعودية ضد اليمن عام 2015 بفشل ذريع في تحقيق أي من أهدافه العسكرية أو السياسية. وفي المقابل، وجدت الرياض نفسها في مواجهة قوة صلبة قلبت المعادلة وأحدثت تغييراً جذرياً في موازين القوى، لتفشل كافة المخططات الخارجية الساعية للسيطرة على القرار السيادي اليمني.
ويؤكد المحللون أن هذا السجل السلبي للإخفاقات السابقة يؤكد أن مصير التحالف الجديد محسوب مسبقاً، لا سيما في ظل التنامي الهائل لقدرات صنعاء العسكرية والتسليحية على مدار السنوات العشر الماضية.
وتعزز المعطيات الميدانية قناعة الاستحالة العملية لنجاح أي تحالف تقليدي في البحر الأحمر، بعدما أثبتت المواجهات المباشرة بين قوات صنعاء والقوات الأمريكية خلال العام الماضي تفوقاً ملحوظاً لقدرات صنعاء العسكرية. فقد سجل التاريخ العسكري اعترافات صريحة لقادة عسكريين أمريكيين بعجز البحرية الأمريكية عن كبح هذه القدرات أو فرض السيطرة في وجه تكتيكات بحرية متطورة وعصية على الاحتواء، وأن عجز أكبر القوى الدولية عن الوقوف أمام هذه المنظومة الدفاعية والهجومية يجعل من الوهم بمكان رهان التحالف الجديد على تحقيق ما عجز عنه الآخرون.
القراءة الواقعية والمجردة للمشهد تؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن كلفة السلام بالنسبة للسعودية كانت وستبقى أقل بكثير وأيسر مائة مرة من تكلفة التصعيد العسكري الذي تعتزمه الرياض اليوم، سيما وأن التجربة أثبتت أن استنزاف الحروب لا يولد أمناً ولا يجلب استقراراً، وأن العودة إلى طاولات التفاهم والتسوية السياسية العادلة تمثل المخرج الوحيد لتجنب كارثة جديدة تفاقم أزمات الإقليم، وتؤكد أن لغة القوة عادة ما تسقط أمام إرادة الصمود والردع المرتبطة بحقوق الشعوب في الاستقلال والسيادة.
المصدر:
البوابة الإخبارية اليمنية