آخر الأخبار

صنعاء تفرض معادلتها.. والسعودية تهرب إلى قصف العراق

شارك

فبينما كانت صنعاء تقدم عملياتها باعتبارها ردًا مباشرًا على العدوان واستمرار الحصار، اختارت الرياض توجيه ضرباتها نحو الساحة العراقية، رغم النفي الصريح الصادر عن الحكومة العراقية والفصائل المسلحة هناك لأي صلة بالهجمات على الأراضي السعودية.

هذا التناقض بين الجهة التي تبنت الهجوم والجهة التي تعرضت للقصف يطرح سؤالًا يتجاوز التفاصيل الميدانية: لماذا امتنعت السعودية عن الرد المباشر على الطرف الذي أعلن مسؤوليته، وذهبت بدلًا من ذلك إلى استهداف العراق؟

الجواب الأقرب لا يتعلق بنقص المعلومات بقدر ما يرتبط بحسابات الكلفة والردع. فالرياض تعرف أن العودة إلى مواجهة عسكرية واسعة مع صنعاء قد لا تبقى محصورة في غارات جوية على الأراضي اليمنية، كما كان يحدث في السنوات الأولى للحرب. لقد تغيرت طبيعة المواجهة، وتطورت قدرات الجيش اليمني الصاروخية والجوية، وأصبحت المنشآت النفطية والموانئ والمطارات والقواعد العسكرية داخل السعودية جزءًا من ساحة الصراع المباشر. وهذا التحول يجعل أي رد سعودي على اليمن محفوفًا باحتمال استدراج ردود أوسع وأكثر تأثيرًا في الاقتصاد السعودي.

بحسب إعلان قوات صنعاء ، جاءت الهجمات على منشآت أرامكو ضمن معادلة «الحصار بالحصار»، وهي معادلة تريد صنعاء من خلالها نقل كلفة القيود المفروضة على اليمن إلى الاقتصاد السعودي ولم يعد الرد، وفق هذا التصور، يستهدف المواقع العسكرية وحدها، بل يمتد إلى البنية الاقتصادية التي تمثل مصدر قوة المملكة ومركز ثقلها في الأسواق العالمية. ومن هنا تكتسب المنشآت النفطية حساسية استثنائية، لأن استهدافها ينعكس على الإنتاج والتصدير والتأمين البحري وثقة المستثمرين وحسابات أسواق الطاقة.

أمام هذا الواقع، تجد السعودية نفسها أمام معضلة صعبة. فالاعتراف بأن الجيش اليمني نفذ الهجمات يعني الإقرار بأن الحرب الطويلة لم تنجح في تحييد قدراته، وأن التحالف الذي امتلك تفوقًا جويًا وماليًا وتسليحيًا واسعًا لم يتمكن من منع وصول الصواريخ والطائرات المسيّرة إلى أكثر المنشآت السعودية حساسية. كما يعني أن القوة التي سعت الرياض إلى إضعافها وعزلها طوال سنوات باتت اليوم قادرة على التأثير في أمن المملكة ومصالحها الاقتصادية.

لهذا يبدو أن توسيع دائرة الاتهام لتشمل العراق يؤدي وظيفة سياسية وإعلامية واضحة. فبدل أن تظهر السعودية في مواجهة طرف يمني استطاع فرض معادلة ردع جديدة، تحاول تقديم نفسها بوصفها هدفًا لهجمات إقليمية متزامنة تنطلق من ساحات متعددة.

تسمح هذه الرواية للرياض بتخفيف وقع الهجمات أمام جمهورها الداخلي، كما تساعدها على مخاطبة حلفائها الغربيين بلغة تتجاوز النزاع اليمني، وتضع ما حدث ضمن مواجهة أوسع مع القوى المناهضة للولايات المتحدة وإسرائيل في المنطقة.

إن تصوير المملكة كدولة تواجه تهديدًا إقليميًا واسعًا يتيح لها أيضًا طلب دعم عسكري وسياسي إضافي، ويمنحها مساحة لتجاوز الأسئلة المتعلقة بنتائج حربها في اليمن. فبدل النقاش حول كيفية تمكن الجيش اليمني من الوصول إلى جازان وينبع وبقيق، ينتقل الاهتمام إلى الحديث عن شبكة إقليمية من الهجمات والتهديدات. وبدل مساءلة القيادة السعودية عن جدوى سنوات الحرب، يجري تقديم التصعيد باعتباره جزءًا من صراع أكبر يتجاوز حدود اليمن.

غير أن هذه السردية تواجه مشكلة أساسية تتعلق بالأدلة. فقد نفت الحكومة العراقية بصورة قاطعة انطلاق هجمات من أراضيها باتجاه السعودية، كما نفت الفصائل العراقية مسؤوليتها عن أي عمليات من هذا النوع. وطالبت بغداد الرياض بتقديم معلومات ملموسة تثبت الاتهامات، معلنة في الوقت ذاته فتح تحقيق رسمي للتأكد من حقيقة ما جرى.

كان هذا الموقف يتيح للسعودية مسارًا دبلوماسيًا وأمنيًا واضحًا: تسليم الأدلة إلى السلطات العراقية، انتظار نتائج التحقيق، أو الدعوة إلى آلية مشتركة للتحقق من مصدر الهجمات. إلا أن الرياض، وفق الرواية الواردة، انتقلت سريعًا من الاتهام إلى العمل العسكري، ونفذت ضربات عدوانية داخل العراق قبل تقديم أدلة معلنة يمكن فحصها بصورة مستقلة.

هذا التسرع يثير الشكوك بشأن الهدف الحقيقي من وراء اختيار العراق ساحةً للرد. فعندما ينفي طرف مسؤوليته ويعلن فتح تحقيق، بينما يتبنى طرف آخر العملية بصورة مباشرة، يصبح استهداف الطرف النافي قرارًا سياسيا يحتاج إلى تفسير يتجاوز الادعاء بالدفاع عن النفس.

وقد يكون أحد التفسيرات أن الرياض ترى في الساحة العراقية هدفا أقل كلفة من العودة إلى مواجهة واسعة مع اليمن.

وفق هذا المنطق، لا تعكس الغارات العدوانية السعودية الامريكية على العراق ثقة سعودية بقدر ما تكشف عن حذر شديد تجاه صنعاء. فالرياض لا تجهل الجهة التي تبنت الهجمات، لكنها تدرك أن الرد عليها قد يفتح دورة تصعيد يصعب ضبطها. ولذلك يبدو أن القيادة السعودية اختارت إنتاج مشهد عسكري في ساحة أخرى، يمكن تقديمه إلى الداخل باعتباره ردًا حازمًا، من دون تحمل المخاطر الفورية لمواجهة مباشرة مع الجيش اليمني.

لكن هذا الخيار لا يحل المشكلة التي تواجهها المملكة. فقصف العراق لن يعيد بناء الردع الذي تآكل أمام اليمن، ولن يحمي منشآت أرامكو من هجمات جديدة، كما أنه لا يعالج الأسباب التي تربط صنعاء بها عملياتها، وفي مقدمتها استمرار القيود الاقتصادية والإنسانية المفروضة على اليمن. بل إن فتح جبهة إضافية قد يوسع دائرة الخصوم، ويحول أزمة قائمة إلى سلسلة من المواجهات المتداخلة التي يصعب التحكم في نتائجها.

وتكمن المفارقة في أن السعودية، بدل أن تستخدم اللحظة الراهنة لمراجعة سياستها تجاه اليمن، تكرر النهج ذاته الذي قاد إلى المأزق الحالي: الاعتماد على القوة، توسيع ساحات التدخل، والبحث عن غطاء إقليمي أو دولي للعمليات العسكرية. وقد أثبتت سنوات الحرب أن هذا النهج لم ينتج تسوية مستقرة، ولم ينجح في إنهاء التهديدات الأمنية، بل أسهم في تطوير قدرات الطرف اليمني وزيادة خبرته القتالية.

لم تعد صنعاء، بعد سنوات المواجهة، الطرف الذي كان عليه الوضع عند بداية الحرب. فقد راكم الجيش اليمني خبرة طويلة في استخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة، وربط عملياته بأهداف اقتصادية واستراتيجية تتجاوز حدود المعركة التقليدية. كما طور خطابًا سياسيًا يقوم على مبدأ المعاملة بالمثل: الموانئ مقابل الموانئ، المطارات مقابل المطارات، والحصار الاقتصادي مقابل الضغط على صادرات النفط وحركة الملاحة.

هذا التطور يضع السعودية أمام واقع لا يمكن تجاوزه بتغيير الرواية الإعلامية. فقد تتمكن الرياض من توسيع قائمة المتهمين، أو تقديم الهجمات باعتبارها جزءًا من مؤامرة إقليمية، لكنها لا تستطيع تجاهل حقيقة أن الجيش اليمني أعلن مسؤوليته وربط عملياته مباشرة بسياساتها في اليمن. كما لا يمكنها إخفاء أن الرد السعودي وقع في العراق، لا في اليمن، وهو ما سيُقرأ بوصفه تجنبًا لمواجهة الطرف الذي تبنى الهجوم.

على المستوى الداخلي، تحاول القيادة السعودية على الأرجح الحد من التداعيات المعنوية للهجمات على منشآت أرامكو. فهذه المنشآت تمثل رمزًا لقدرة الدولة ومكانتها في سوق الطاقة العالمية. ووصول الهجمات إليها يطرح أسئلة تتعلق بفاعلية منظومات الدفاع الجوي، وكفاءة الإنفاق العسكري، وقدرة الدولة على حماية أهم أصولها الاقتصادية.

إن تحميل جهات عراقية جزءًا من المسؤولية يخفف ظاهريًا من حدة هذه الأسئلة، لأنه يحول ما جرى من اختراق نفذه طرف يمني إلى هجوم واسع شاركت فيه عدة جبهات. لكن هذه المعالجة الإعلامية لا تغير الحسابات الفعلية على الأرض. فالتهديد القادم من اليمن سيظل قائمًا ما دامت أسبابه السياسية والعسكرية والاقتصادية قائمة.

أما على المستوى الإقليمي، فإن استهداف العراق يضع السعودية مجددًا في موقع الدولة التي تتدخل عسكريًا في شؤون جيرانها، بدل العمل من خلال المؤسسات الدبلوماسية والقنوات الرسمية. وإذا كانت الضربات قد نُفذت بالتنسيق مع الولايات المتحدة، فإنها ستُفسر لدى قطاع واسع من القوى العراقية والإقليمية باعتبارها جزءًا من مشروع أميركي يستهدف الفصائل المناهضة لواشنطن ويعيد رسم موازين النفوذ بالقوة.

غير أن انخراط السعودية في هذا المسار يحمل مخاطر كبيرة. فالعراق ليس ساحة بلا ردود، واستهداف فصائله قد يدفعها إلى إعادة النظر في موقفها من المملكة، كما قد يفتح الباب أمام عمليات انتقامية فعلية من الأراضي العراقية بعد أن كانت بغداد تنفي أصلًا علاقتها بالهجمات. وبذلك تكون الرياض قد أضافت تهديدًا جديدًا إلى التهديد القائم، بدل أن تقلصه.

المشكلة الأعمق أن القيادة السعودية ما تزال تتعامل مع الملف اليمني باعتباره أزمة يمكن احتواؤها أمنيًا، بينما تشير الوقائع إلى أنه تحول إلى معادلة إقليمية ذات أبعاد اقتصادية وبحرية وسياسية. فالجيش اليمني لم يعد يكتفي بالدفاع داخل الحدود، بل يهدد بنقل الصراع إلى الموانئ والمنشآت النفطية وخطوط الملاحة، وهو ما يجعل استمرار الأزمة مكلفًا للسعودية بصورة متزايدة.

كان الخيار الأقل كلفة يتمثل في معالجة أصل النزاع: إنهاء العمليات العسكرية، رفع القيود عن المطارات والموانئ، التوصل إلى تفاهمات بشأن الملفات الإنسانية والاقتصادية، والدخول في مسار سياسي يعالج آثار الحرب. لكن الرياض تبدو متمسكة بسياسة الهروب إلى الأمام، وكأن فتح جبهة جديدة يمكن أن يمحو نتائج الجبهة القديمة.

لن يؤدي العدوان على العراق إلى إسقاط فاتورة اليمن، ولن ينقلها من الرياض إلى بغداد. فهذه الفاتورة مرتبطة بأمن المنشآت النفطية، واستقرار الموانئ، وكلفة التأمين، وثقة الأسواق، ومدى قدرة السعودية على منع تكرار الهجمات. وكلما طال أمد الأزمة من دون تسوية، أصبحت خيارات المملكة أضيق، واتسعت قدرة صنعاء على فرض شروط جديدة.

وفي النهاية، لا تبدو الغارات العدوانية على العراق تعبيرًا عن حسم سعودي بقدر ما تكشف عن أزمة في تحديد الخصم وطريقة التعامل معه. فصنعاء أعلنت مسؤوليتها، والعراق نفى علاقته، ومع ذلك وقع الرد على الأراضي العراقية. هذه المفارقة وحدها تكفي لفهم طبيعة القرار: السعودية أرادت أن تظهر أنها ردت، لكنها تجنبت الرد على الجهة التي قالت إنها نفذت الهجوم.

قد تنجح الرياض لبعض الوقت في تحويل الأنظار، وخلط الأوراق، وتقديم الأزمة بوصفها هجومًا متعدد الجبهات، إلا أن الوقائع ستعيد النقاش إلى مصدره الأصلي. فالمواجهة التي تحاول السعودية الابتعاد عنها ما تزال في اليمن، والطرف الذي تسعى إلى تقليل دوره بات يمتلك قدرة أكبر على التأثير في أمنها واقتصادها.

ولهذا فإن قصف العراق لا يمثل نهاية للهجمات اليمنية، قد يكون اعترافًا غير معلن بأن الرياض تخشى كلفة الرد على صنعاء. وما لم تتجه السعودية إلى معالجة أسباب الصراع، ستظل منشآتها الحيوية معرضة للضغط، وستبقى كل جبهة جديدة تفتحها محاولة مؤقتة للهروب من فاتورة لم تعد قابلة للتأجيل.


* نقلا عن عرب جورنال

الأكثر تداولا أمريكا إيران السعودية مصر

حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا