لقد أحدثت الحرب في غزة تحولاً واضحاً في نظرة قطاعات واسعة من الشعوب، حتى في الدول التي تُعد من أقرب حلفاء إسرائيل. فالتظاهرات الحاشدة التي شهدتها عواصم ومدن غربية، وحملات المقاطعة الأكاديمية والاقتصادية والثقافية، والاحتجاجات داخل الجامعات، جميعها عكست اتساع دائرة الانتقادات للسياسات الإسرائيلية. ولم يعد الجدل يقتصر على الأوساط السياسية أو الحقوقية، بل امتد إلى الرأي العام، الذي بات يتابع عبر وسائل الإعلام ومنصات التواصل صور الدمار والخسائر الإنسانية بشكل مباشر، وهو ما أسهم في تشكيل مواقف أكثر انتقاداً تجاه العمليات العسكرية الإسرائيلية.
كما أن امتداد العمليات العسكرية إلى الأراضي اللبنانية زاد من حدة هذه الصورة، إذ أضيفت مشاهد الدمار في القرى والبلدات اللبنانية إلى المشهد الإنساني القاتم في غزة، ما عزز الانطباع لدى كثيرين بأن استخدام القوة العسكرية تجاوز حدود الأهداف الأمنية المعلنة، وأصبح يخلّف آثاراً إنسانية وعمرانية واسعة. ونتيجة لذلك، برزت تساؤلات متزايدة حول مدى التزام إسرائيل بالقانون الدولي الإنساني، وازدادت الضغوط الحقوقية والدبلوماسية المطالبة بإجراء تحقيقات ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات الإسرائيلية.
في هذا السياق، تبدو تصريحات المسؤولين الإسرائيليين عن "الحب" و"التقدير" أقرب إلى خطاب موجه للاستهلاك السياسي الداخلي وحشد المؤيدين، أكثر من كونها تعكس المزاج الشعبي العالمي. فالدعم الذي تحصل عليه إسرائيل من بعض الحكومات الغربية يرتبط بحسابات استراتيجية وتحالفات أمنية وتوازنات سياسية معقدة، وليس بالضرورة دليلاً على قبول شعبي واسع. لذلك فإن الخلط بين الدعم الرسمي وبين الرأي العام يؤدي إلى قراءة غير دقيقة للمشهد، خصوصاً في ظل تنامي الأصوات المعارضة داخل تلك الدول نفسها.
ومن هنا، فإن التحدي الحقيقي الذي تواجهه إسرائيل لا يقتصر على ساحات القتال أو الضغوط الدبلوماسية، بل يمتد إلى صورتها لدى الرأي العام العالمي. فاستمرار حروبها العدوانية وما تخلّفه من خسائر إنسانية يعمّق الفجوة بينها وبين قطاعات متزايدة من الشعوب، ويجعل من الصعب إقناع العالم بأن الانتقادات المتصاعدة ليست سوى حملات عابرة أو مواقف هامشية. وفي عالم أصبحت فيه الصورة تصل إلى ملايين الأشخاص في لحظتها، لم يعد بالإمكان الاعتماد على الخطاب السياسي وحده لإعادة تشكيل الانطباعات، إذ باتت الوقائع الميدانية هي العامل الأكثر تأثيراً في تشكيل الرأي العام، وهو ما يفسر اتساع موجات الانتقاد لإسرائيل مقابل تراجع قدرتها على تسويق رواية مفادها أنها تحظى بالمحبة أو الاحترام.
المصدر:
البوابة الإخبارية اليمنية