آخر الأخبار

لماذا أنكر العليمي حصاراً تفاخرت به السعودية سنوات ؟

شارك

فإذا لم يكن هناك حصار، فما الذي كان يمنع مطار صنعاء من أداء دوره الطبيعي لسنوات طويلة؟ وما الذي جعل السفن التجارية وسفن الوقود تبقى أسابيع وأشهراً في عرض البحر بانتظار الإذن بالدخول إلى ميناء الحديدة بعد إخضاعها لآلية تفتيش طويلة في جيبوتي؟ وما الذي تسبب في أزمات الوقود المتكررة وارتفاع أسعار السلع الأساسية وتعثر وصول المرضى إلى العلاج في الخارج؟ إن إنكار هذه الوقائع لا يغير من حقيقتها شيئاً، بل يكشف عن ارتباك شديد بعد إعلان قوات صنعاء حظر الملاحة البحرية السعودية في البحر الأحمر وباب المندب، فدفعوا بالعليمي إلى الواجهة كما لو كان موثوقاً في أوساط اليمنيين، لكنه على العكس من ذلك لا يحظى بأي ثقة.

لقد أمضى التحالف سنوات وهو يعلن صراحة سيطرته على الأجواء اليمنية والمياه الإقليمية، ويتباهى بإدارة حركة الملاحة والتفتيش والمنع، ويقدم ذلك باعتباره جزءاً من استراتيجيته العسكرية. ولم يكن هذا الأمر سراً ولا ادعاءً من طرف واحد، بل كان جزءاً من الخطاب الرسمي الذي بررت به دول التحالف حربها على اليمن أمام المجتمع الدولي. واليوم، وبعد كل تلك السنوات، يخرج مسؤول في حكومة الشرعية المدعومة سعودياً لينفي أصل القضية، وكأن اليمنيين والعالم بأكمله كانوا يعيشون وهماً جماعياً.

هذا التحول في الخطاب لا يمكن فصله عن المتغيرات العسكرية والسياسية الأخيرة. فمنذ أن فرضت قوات صنعاء واقعاً جديداً في البحر الأحمر، وأصبحت السفن المرتبطة بإسرائيل أو المتجهة إليها تواجه مخاطر فعلية، تغيرت قواعد الاشتباك. ولأول مرة منذ سنوات، انتقلت الضغوط من الداخل اليمني إلى الخارج، وأصبحت القوى الإقليمية تشعر بأن تكلفة استمرار الحرب لم تعد تقع على اليمنيين وحدهم.

هذه المعادلة الجديدة أربكت الرياض وحلفاءها؛ فبعد أن كانوا الطرف الذي يفرض القيود على حركة الملاحة والطيران، وجدوا أنفسهم أمام إجراءات مضادة مست أمنهم الاقتصادي والتجاري، وأثارت اهتماماً دولياً واسعاً. ووسط هذا التحول، بدا أن أسهل وسيلة للتخفف من المسؤولية ليست الدفاع عن السياسات السابقة، بل إنكار وجودها من الأساس، وكأن نفي الحصار اليوم يمحو أحد عشر عاماً من الوقائع الموثقة.

إن أخطر ما في هذا الخطاب أنه لا يكتفي بتبرئة التحالف من مسؤولية حربه الشاملة على اليمن بما فيها الحصار البحري والجوي والبري، بل يسعى أيضاً إلى تجريد اليمنيين من أبرز حقوقهم برفع القيود عن المطارات والموانئ، وتعويض المتضررين، ومعالجة الآثار الإنسانية والاقتصادية التي خلفتها الحرب. فحين يُنفى وجود الحصار، يصبح الحديث عن رفعه أو معالجة نتائجه فاقداً لأساسه السياسي، وهو ما يفسر حجم الخطأ الذي ارتكبه العليمي بتصريحاته الموجهة سعودياً.

كما أن هذا الإنكار يضع حكومة الشرعية في موقف بالغ التناقض؛ إذ يصعب التوفيق بين نفي الحصار اليوم وبين سنوات من المفاوضات التي كان ملف فتح مطار صنعاء، والسماح بدخول السفن إلى ميناء الحديدة، وإزالة القيود على حركة النقل، أحد أهم محاورها. فلو لم تكن هناك قيود وحصار، فما الذي كانت تدور حوله كل تلك المفاوضات؟ وما الذي كانت الأمم المتحدة تسعى إلى معالجته في مبادراتها المتعاقبة؟

ولذلك، فإن الجدل الدائر اليوم لا يتعلق بتصريح فردي بقدر ما يتعلق بمحاولة إعادة صياغة سردية الحرب نفسها، لكن السرديات قد تتغير، أما الحقائق التي عاشها الناس والوقائع التي وثقتها المؤسسات الدولية، والجرائم التي تشهد عليها سنوات الحرب، فتبقى عصية على الإنكار.



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا