آخر الأخبار

معادلة "الحصار بالحصار" : خيارات التصعيد العسكري ومآلات التعنت السعودي في الأزمة اليمنية

شارك

ويأتي هذا التحول العسكري الحاسم، المدعوم بتفويض شعبي مليوني غير مسبوق، ليزيح الغطاء عن التعنت السعودي المستمر والتنصل من استحقاقات السلام، مسلطاً الضوء على حق الشعب اليمني المشروع في انتزاع حقوقه الإنسانية ورفع الحصار الشامل عن موانئه ومطاراته.

وأمام هذا المفترق، يصبح لزاماً على الرياض إدراك جسامة التداعيات الاقتصادية والوجودية التي تنتظرها جراء استمرار مماطلتها، ما لم تستجب فوراً للمطالب العادلة لتجنب انزلاق المنطقة نحو مواجهة شاملة ومدمرة.

وشهد مسار الصراع اليمني-السعودي منعطفاً استراتيجياً وعسكرياً بالغ الخطورة بإصدار قوات حكومة صنعاء بياناً رسمياً، أعلنت فيه تدشين معادلة "الحصار بالحصار" وفرض حظر الملاحة البحرية على النظام السعودي.. ويأتي هذا القرار الحاسم تتويجاً لحالة الاحتقان الشعبي العارم التي تجسدت في التظاهرات المليونية غير المسبوقة في جمعة التحذير والنفير، وتلبيةً للنداءات الشعبية الواسعة الرامية لكسر الحصار الظالم المفروض على الشعب اليمني لما يقارب اثني عشر عاماً.

وقد تزايد هذا الغضب بعد الهجوم الذي استهدف مؤخراً مطار صنعاء الدولي، تزامناً مع تصريحات واضحة للناطق باسم جماعة أنصار الله محمد عبدالسلام، تحذر من استمرار مماطلة الرياض في تنفيذ استحقاقات السلام، مستندة إلى التهديدات السابقة لقائد الجماعة السيد عبدالملك الحوثي بقصف المطارات والموانئ ومنشآت النفط السعودية في حال لم تنصاع للحق وتستجيب للاستحقاقات الإنسانية المشروعة.

وارتكز البيان العسكري الأخير على بنود عملية واضحة تعكس جاهزية غير مسبوقة للتعامل مع أي خطوة سعودية غير محسوبة باتجاه التصعيد الشامل، حيث أطاح هذا البيان بآخر أوراق التوت التي تسترت خلفها الرياض طويلاً محاولةً تقديم نفسها كـ "وسيط" محايد في النزاع اليمني، حيث كشف الهجوم الأخير على مطار صنعاء أن النظام السعودي هو المحرك الأساسي والمسؤول المباشر عن تعطيل الحياة في اليمن وفرض القيود القاسية على الموانئ وامطارات والمنافذ الأخرى.

وبإعلان حظر الملاحة البحرية السعودية في البحر الأحمر وباب المندب، دشنت صنعاء قاعدة اشتباك جديدة تقوم على نقل الكلفة الاقتصادية والعسكرية إلى العمق السعودي، مؤكدة أن استمرار الحصار لن يقابل إلا بإجراءات رادعة تقلب معادلات الاستقرار الاقتصادي والأمني في المملكة رأساً على عقب.

ولا يمكن قراءة التطورات الراهنة بمعزل عن المأساة الإنسانية المتفاقمة منذ عام 2015؛ حيث تكبد الشعب اليمني خسائر بشرية ومادية فادحة نتيجة العدوان والحصار البري والبحري والجوي الشامل، حيث تسبب إغلاق الموانئ والمطارات والمنافذ في مناطق حكومة صنعاء بانهيار شبه كامل في القطاعات الحيوية، كالصحّة والتعليم، وتفاقم معدلات الفقر والبطالة إلى مستويات غير مسبوقة.

وإلى جانب ذلك، ووفقا للسردية التي تقدمها حكومة صنعاء، فقد استمرت سياسة التجويع المتمثلة في نهب الثروات السيادية وحرمان ملايين اليمنيين من عائدات النفط والغاز التي تُنهب لتُحرَم منها الخزينة العامة، وهو ما حال دون صرف المرتبات وأفرز بيئة إنسانية كارثية لا يمكن لأي شعب حي القبول بالاستمرار فيها تحت أي ظرف.

وتستند التحركات العسكرية والسياسية الأخيرة في صنعاء إلى أرضية شعبية صلبة ومشروعية وطنية لا تقبل التأويل.. فالمطالب التي تمس الجانب الإنساني في المقام الأول والمتثلة في رفع الحصار كلياً عن مطارات وموانئ اليمن، وحق الشعب في الإفادة من ثرواته السيادية لصرف المرتبات، والإسراع في إغلاق ملف الأسرى وخروج القوات الأجنبية، هي حقوق أساسية كفلتها الشرائع السماوية والقوانين الدولية.

وقد عبّرت الحشود المليونية الهادرة في الساحات والميادين عن تفويض مطلق للقيادة بانتزاع هذه الحقوق بكل الوسائل المتاحة، معلنةً انتهاء فترة الصبر والانتظار أمام التعنت والتهرب المستمر من تنفيذ خارطة الطريق الأممية التي تعطلت بفعل التسويف السعودي طيلة السنوات الماضية.

ويرى محللون سياسيون وعسكريون أن إصرار السعودية على الرهان على الوقت والتهرب من استحقاق السلام يضع المنطقة برمتها على حافة انفجار عسكري واسع النطاق، مؤكدين أن تنفيذ تهديدات صنعاء بفرض معادلة الحصار بالحصار وقصف المطارات، والموانئ، ومنشآت النفط الحيوية، في حال اختارت المملكة المضي نحو خيار التصعيد، سيلحق أضراراً بالغة وفادحة بالاقتصاد السعودي وبيئة الاستثمار الأجنبي فيها، لا سيما تلك المرتبطة برؤى ومشاريع التنمية المستقبلية.

وأمام هذا المفترق الخطير، يبدو المخرج الوحيد أمام السعودية لتجنب هذه التداعيات الكارثية هو الرضوخ لصوت العقل، والاستجابة الفورية للمطالب الإنسانية المشروعة، وإنهاء الحصار المفروض على اليمن بشكل كامل ودون قيد أو شرط، والمضي نحو السلام واستحقاقاته بخطوات جدية وفعلية لتفادي انزلاق الأمور نحو مواجهة شاملة ومدمرة ستكون الرياض هي الأكثر نزفا لخسائرها الجسيمة.



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا