آخر الأخبار

أخبار وتقارير - أحمد مسعد سعيد.. رحلة الوفاء في محراب شعلة عدن: أربعون عاماً من صمود الخبرة

شارك

كتبه: فارس العزيبي


في السابع من أغسطس عام 1959م، وبين جبال منطقة "الشعيب" الشامخة في محافظة الضالع، بدأت فصول حكاية رجل سيصبح لاحقاً واحداً من أهم حراس القلاع الاقتصادية في اليمن. أحمد مسعد سعيد صالح الشعيبي، الذي تلقى بذور تعليمه الأولى في مدارس منطقته بالضالع، قبل أن تشده الرحال نحو مدينة الحوطة في لحج ليتم دراسته الثانوية في ثانوية "13 أغسطس" العريقة، كان منذ صباه يحمل ملامح الانضباط والشغف العلمي الذي ميز مسيرته لاحقاً. هذا الشغف هو ما دفعه لخوض غمار التغريب والرحيل نحو مختبرات وجامعات روسيا، حيث نال هناك درجة الماجستير في الهندسة الكيميائية وتنقية المواد العضوية، عائداً إلى وطنه ممتلئاً بالمعرفة التخصصية وبزادٍ لغوي يجمع العربية والروسية والإنجليزية، ليكون جاهزاً للانخراط في صرحٍ لا يقبل إلا الأكفاء: "شركة مصافي عدن".


بدأت الحكاية المهنية فعلياً في مطلع التسعينيات، وتحديداً في عام 1990م، حين وطأت قدما المهندس الشاب رمال مدينة "البريقة". لم يرتكن أحمد مسعد إلى شهاداته الأكاديمية العالية لطلب المكاتب المكيفة، بل انخرط في "أتون" المصفاة مشرفاً ميدانياً على الوحدات الإنتاجية وحقول الخزانات وميناء الزيت. خلال العقد الأول (1990-1999)، تعمّد مسعد بالخبرة المباشرة، فتعلم لغة الآلات الصاخبة وفهم مسارات الأنابيب التي تضخ شريان الحياة في البلاد. هذا الالتصاق بالميدان مهد لترقيته الطبيعية ليصبح مراقباً للنوبة في إدارة العمليات مطلع الألفية، ثم رئيساً لقسم في نفس الإدارة بين عامي 2002 و2010، وصولاً إلى منصب مراقب العمليات الإنتاجية الذي شغله حتى عام 2015، وهي الفترة التي شهدت تحوله إلى "مرجع فني" لا يُشق له غبار في كواليس التكرير والإنتاج.


وطوال هذه العقود، لم يتوقف المهندس أحمد مسعد عن صقل مهاراته، فخاض غمار التدريب الدولي في أرقى مراكز الصناعة النفطية العالمية؛ فمن اليابان التي تعلم فيها مفاهيم إدارة المصافي وتحسين الوقود، إلى هولندا التي تعمق فيها في مواصفات المنتجات البترولية الجديدة، وماليزيا التي تخصص فيها في تقييم المخاطر، وصولاً إلى مصر والإمارات. هذا المزيج بين الخبرة الميدانية المحلية والمعايير الدولية هو ما منحه الحنكة اللازمة لإدارة المصفاة بالإنابة خلال أصعب فترات تاريخها المعاصر بين عامي 2016 و2022، إلى جانب عمله مديراً لإدارة العمليات، حيث كان يقود السفينة وسط أمواج الحرب والدمار الذي طال المنشأة في 2015.


وفي الحادي والعشرين من أبريل 2022، صدر القرار الوزاري رقم (12) بتكليفه مديراً عاماً تنفيذياً لشركة مصافي عدن، ليبدأ فصلاً جديداً من التحدي في مرحلة "إنقاذ ما يمكن إنقاذه". تولى القيادة والمصفاة تعاني من شلل شبه تام، لكنه وبحس المهندس الذي لا يعرف المستحيل، أطلق ورشة عمل كبرى بتمويل ذاتي وقدرات محلية. وتحت إشرافه، تم ترميم 12 خزاناً استراتيجياً وصيانة شبكة أنابيب الضخ الحيوية، وإعادة الروح لوحدة إنتاج الأسفلت ووحدات التقطير الفراغي، في محاولة مستميتة لاستعادة الدور السيادي للمصفاة كـ "منطقة حرة". ورغم العواصف النقابية والأزمات المالية التي واجهها، ظل متمسكاً بمبدأ "الإنسان قبل الآلة"، فقاتل لتأمين رواتب آلاف العمال والمتقاعدين بانتظام، معتبراً أن استقرار الموظف هو صمام الأمان الوحيد لبقاء هذا الصرح الشامخ.


لقد كان المهندس أحمد مسعد طوال سنوات إدارته يمثل "الرجل التكنوقراطي" الذي نأى بالمصفاة عن تجاذبات السياسة، مركّزاً كل جهده على هدف وحيد هو "إعادة إشعال الشعلة". ولم يتوانَ عن النزول الميداني اليومي، ببدلته الزرقاء التي لم تتغير منذ كان مهندساً ناشئاً، متفقداً أعمال الصيانة في محطة الكهرباء والوحدات الإنتاجية، وحاثاً العمال على الصمود الأسطوري. وبحلول عام 2025، بدأ في وضع اللبنات الأخيرة لإصلاح الهيكل الإداري عبر سلسلة من القرارات الجريئة التي استهدفت تفعيل الرقابة والشفافية القانونية والأمنية داخل الشركة.


وفي الخامس عشر من يوليو 2026، اختار هذا الفارس أن يترجل عن صهوة قيادته بعد رحلة عطاء نادرة ناهزت الأربعين عاماً. وفي رسالة وداعية سُطرت بمداد الوفاء، ودع "أسرته الكبيرة" في مصفاة عدن، معلناً تسليم الراية لرفيق دربه المهندس سعيد محمد، مؤكداً أن المصفاة ليست مجرد مكان عمل، بل هي "عمره الذي مضى" وجزء أصيل من كيانه سيبقى ملتحماً بهياكلها الشامخة. رحل المهندس أحمد مسعد سعيد إلى منزله في مديرية "دار سعد"، تاركاً خلفه إرثاً من النزاهة المهنية والصلابة الإدارية، وسيرة رجلٍ لم يبع الوهم، بل وهب حياته لتبقى شعلة عدن مرفوعة الرأس، كحارسٍ أمين لم يغادر موقعه إلا بعد أن اطمأن على سلامة الحصن.


#فارس_العزيبي

عدن الغد المصدر: عدن الغد
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا