شهدت الأشهر الماضية تحولاً استراتيجياً بارزاً في موازين القوى بالشرق الأوسط، حيث انتقل الصراع بين كل من أمريكا وإسرائيل من جهة، وإيران ومحور المقاومة من جهة أخرى، من صيغة الهيمنة أحادية الجانب إلى مربع التوازن الردعي المعقد.. فبينما استندت العقيدة الأمنية الغربية لعقود على مفهوم الردع المطلق وقدرتها على فرض شروطها عبر القوة الصلبة، وضعت التطورات الميدانية الأخيرة هذا المفهوم أمام استعصاء غير مسبوق، تحولت فيه أدوات الضغط إلى معضلة أمنية وسياسية تؤرق صناع القرار في واشنطن وتل أبيب.
وانطلقت هذه الأزمة الراهنة من تبدل جذري في قواعد الاشتباك، إذ لم تعد التهديدات الأمنية محصورة في الجبهات الميدانية التقليدية، بل امتدت لتطال بيئة القرار السيادي للخصوم، حيث يعكس تشديد الإجراءات الأمنية المحيطة بالقيادات الأمريكية والإسرائيلية وتواتر التحذيرات الاستخباراتية حقيقة جديدة مفادها أن كلفة المواجهة لم تعد تقع على عاتق طرف واحد.
وفي هذا السياق، تُظهر القراءة التحليلية للمواجهة العسكرية الممتدة بين فبراير وأبريل الماضيين حدود القوة العسكرية التقليدية الشاملة، وسقوط ما كان يُعرف بعقيدة الصدمة والترويع. فقد ارتكزت التقييمات المشتركة للموساد الإسرائيلي، ووكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية على فرضية حافة الهاوية، وافتراض أن توجيه ضربات مركزة ومكثفة يستهدف البنية القيادية العليا في طهران كفيل بتقويض مركزية القرار وتفكيك جبهات محور المقاومة إقليمياً. إلا أن الواقع الميداني أثبت عدم دقة هذه الحسابات، إذ لم تؤدِ الضغوط العسكرية المكثفة إلى تراجع العقيدة الدفاعية الإيرانية، بل ساهمت في انتقال سلس للسلطة نحو قيادات شابة تبنت استراتيجية الردع النشط، مما نقل المعضلة الأمريكية إلى مستوى أعمق يدور حول كيفية التعامل مع خصم يرفض التراجع رغم استنفاد الخيارات الهجومية الكبرى.
وامتد هذا الاستعصاء العسكري ليصل إلى الجغرافيا السياسية التي ابتلعت الردع البحري في ملف أمن الملاحة الدولية بمضيق هرمز، والذي يمثل الاختبار العملي الأبرز لحدود القدرة الأمريكية في السيطرة على ممرات الطاقة العالمية.
ومع عجز الخطط اللوجستية والعسكرية المشتركة عن إيجاد ممرات مائية بديلة أو ترتيبات أمنية موازية عبر الجانب العُماني تتجاوز التحكم الإيراني المباشر، بقي شريان الطاقة العالمي تحت وطأة التهديد المستمر، حيث تدرك طهران بعناية عدم قدرة الاقتصاد العالمي على تحمل تبعات حرب طاقة شاملة، مما جعل من المضيق ورقة ضغط حيوية عطلت الاستراتيجية البحرية لأمريكا وحلفائها، وأجبرتهم على البقاء ضمن حدود المناورة الحذرة خوفاً من اندلاع حريق إقليمي لا يمكن السيطرة على امتداده أو عواقبه الاقتصادية.
وحين عجزت الأدوات العسكرية والتهديدات المباشرة عن تحقيق الحسم المطلوب، تراجعت واشنطن نحو مسار الدبلوماسية الالتفافية عبر صياغة مسودة مذكرة تفاهم لفرض هدنة مؤقتة بين الأطراف المتصارعة. ولم تكن هذه الخطوة سعياً وراء سلام مستدام أو تسوية عادلة، بقدر ما كانت أداة تكتيكية تتوخى كسب الوقت العملياتي لإعادة بناء مخزونات الذخيرة الاستراتيجية وأنظمة الدفاع الجوي التي استُنزفت بشكل حاد في جولات القتال الممتدة، وتأمين تدفق النفط لخفض الأسعار التضخمية في الأسواق الغربية. وترافق ذلك مع محاولة فرض آليات تفتيش مفاجئة ومشددة من قبل الوكالة الدولية للطاقة الذرية لتفكيك القدرات الحيوية الإيرانية من خلال السياسة والمفاوضات بعد فشل آلة الحرب في تحقيق ذلك، غير أن إدراك طهران المبكر لهذه الاستراتيجية دفعها لوقف المسار التفاوضي والتمسك بالمعادلات الميدانية القائمة.
أما على الصعيد الإقليمي، فيصطدم مسعى تفكيك وحدة الساحات وحصار حلفاء طهران باستعصاء أمني وسياسي صلب يمنع ترجمة الضغوط العسكرية إلى مكاسب استراتيجية مستدامة للأمن القومي الإسرائيلي.. ففي الساحة اللبنانية، أخفقت سياسة الأرض المحروقة والتدمير الممنهج للمناطق الحدودية في الجنوب في فرض ترتيبات أمنية أحادية لعزل السلاح أو فرض شروط إذعان جديدة، نظراً لرفض القوى الداخلية الانجرار إلى شرخ أهلي أو مغامرة غير محسوبة تعطل مؤسسات الدولة وتقوض السلم المجتمعي الهش.
وتؤكد هذه المعطيات الراهنة في مجملها أن الشرق الأوسط يتجه بخطى متسارعة نحو إنهاء حقبة الهيمنة الردعية الأحادية التي فرضتها الولايات المتحدة وإسرائيل لعقود طويلة، حيث أن لجوء القوى الكبرى إلى المناورات الدبلوماسية الملتوية والوساطات المتعددة بعد تراجع فاعلية الأدوات العسكرية الصلبة يعكس اعترافاً ضمنياً بموازين القوى الجديدة في المنطقة، إذ باتت أوراق القوة الجيوسياسية والدفاعية المتكاملة قادرة على كبح خطط الاحتواء والحصار، وإجبار الجميع على التعايش مع توازن ردعي معقد وطويل الأمد لا يملك فيه أي طرف، مهما بلغت قوته التكنولوجية، قرار الحسم المطلق أو القدرة على فرض إرادته السياسية من جانب واحد.
المصدر:
البوابة الإخبارية اليمنية