آخر الأخبار

الرحلة الإيرانية تضع الرياض أمام مغامرة عالية الكلفة

شارك

هذا التحول يكشف عن تغير مهم في طريقة إدارة صنعاء للصراع، ففي المراحل السابقة كانت قضية مطار صنعاء ترتبط عادة بالمفاوضات والوساطات الدولية والتفاهمات التي تمنح الرياض دوراً أساسياً في تحديد الوجهات وعدد الرحلات وآليات التشغيل، أما اليوم فتقدم صنعاء نفسها كونها صاحبة القرار السيادي في إدارة مجالها الجوي، معلنة أنها لن تنتظر موافقة أي طرف لإعادة تشغيل المطار، وهو ما يعني عملياً نزع إحدى أهم أوراق الضغط التي احتفظت بها السعودية طوال سنوات الحرب.

في المقابل، تبدو الرسائل الصادرة عن مجلس القيادة الرئاسي المدعوم من الرياض وكأنها تجمع بين التهديد العسكري ومحاولة إبقاء باب التفاوض مفتوحاً، من خلال الحديث عن الاستعداد لاستئناف الرحلات عبر الخطوط الجوية اليمنية إذا جرى الالتزام بالترتيبات السابقة. غير أن هذا الطرح يعكس إدراكاً بأن استخدام القوة وحده لم يعد خياراً مضمون النتائج، خصوصاً في ظل موازين الردع التي تشكلت خلال السنوات الأخيرة، والتي جعلت أي قرار بالتصعيد يحمل تكلفة مرتفعة على جميع الأطراف.

وتستند صنعاء في هذا الموقف إلى قناعة بأن البيئة العسكرية تغيرت بصورة جوهرية مقارنة بما كانت عليه في بداية الحرب. فقد شهدت السنوات الماضية تطوراً كبيراً في قدراتها الصاروخية والطائرات المسيّرة ومنظوماتها العسكرية، كما أثبتت عملياتها بعيدة المدى قدرتها على الوصول إلى أهداف استراتيجية داخل السعودية، فضلاً عن العمليات البحرية التي أظهرت امتلاكها وسائل ضغط مؤثرة على حركة الملاحة والتجارة الإقليمية. ومن هذا المنطلق، فإن التهديدات التي تطلقها صنعاء باستهداف المصالح الحيوية السعودية في حال التعرض لمطار صنعاء لا تأتي باعتبارها مجرد رسائل سياسية، وإنما باعتبارها جزءاً من معادلة ردع ترى أنها أصبحت قابلة للتنفيذ.

ولهذا فإن أي قرار سعودي بمنع هبوط رحلة مدنية بالقوة أو استهدافها أو إعادة فرض القيود العسكرية على مطار صنعاء يحمل مخاطر استراتيجية تتجاوز الحدث نفسه. فالتجارب السابقة أظهرت أن الردود المتبادلة لم تعد محصورة في الجبهات التقليدية، بل يمكن أن تمتد إلى منشآت الطاقة والبنية التحتية والموانئ والمطارات والمنشآت الاقتصادية، وهي قطاعات تمثل ركائز أساسية للاقتصاد السعودي ولبرامج الاستثمار والتنمية التي تسعى المملكة إلى ترسيخها خلال السنوات المقبلة.

كما يبدو أيضاً أن صنعاء تراهن على أن الرياض تدرك هذه المعادلة جيداً، ولذلك أصبحت على قناعة بأن قدرة الردع التي تمتلكها أصبحت كافية لمنع العودة إلى سياسة الحصار بالشكل السابق. كما أن الخطاب الصادر عن قياداتها يعكس استعداداً لتحمل تبعات هذه المواجهة إذا فُرضت عليها، انطلاقاً من اعتبار أن استمرار الحصار لم يعد خياراً مقبولاً بعد سنوات من تطوير القدرات العسكرية وتغيير موازين القوة.

وفي المقابل، تجد السعودية نفسها أمام خيارات معقدة. فالتراجع عن منع الرحلات قد يُفسر على أنه قبول بالأمر الواقع الجديد، بينما قد يؤدي اللجوء إلى القوة إلى فتح جولة تصعيد يصعب التحكم بمسارها، خصوصاً إذا توسعت دائرة الاستهداف لتشمل منشآت حيوية داخل المملكة. وهذا ما يجعل أي قرار تتخذه الرياض في هذا الملف محفوفاً بحسابات دقيقة تتعلق بالمكاسب والخسائر أكثر من ارتباطه بالاعتبارات العسكرية وحدها.

وفي ضوء ذلك، تبدو قضية الرحلة الإيرانية المرتقبة اختباراً عملياً لميزان الردع الذي تشكل خلال السنوات الأخيرة، وليس مجرد خلاف على رحلة مدنية. فإذا تمكنت صنعاء من فرض استمرار الرحلات بدون اعتراض، فإن ذلك سيشكل تحولاً مهماً في ملف الحصار الجوي ويكرس واقعاً جديداً يصعب التراجع عنه. أما إذا جرى اعتراض الرحلة أو منعها بالقوة، فإن احتمالات الانزلاق إلى مواجهة عسكرية واسعة ستصبح مرتفعة، في ظل تأكيد صنعاء المتكرر أنها باتت تمتلك القدرة والإرادة لاستهداف المصالح الحيوية السعودية، وهو ما يجعل أي مغامرة عسكرية تحمل مخاطر قد تتجاوز بكثير المكاسب التي قد تسعى الرياض إلى تحقيقها من استمرار سياسة الحصار.



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا