وفي تفكيك مسارات السلام المجمّد، انطلق بيان رئيس الحكومة من اتّهام صنعاء بالمماطلة والهروب من خارطة الطريق الأممية، وهو توصيف يتجاوز حقيقة واضحة تؤكدها الشواهد على الأرض، بأن التراجع عن التفاهمات التي أُنجزت بجهود وساطة عمانية سعودية جاء بقرار وتوجيه أمريكي مباشر للرياض عقب انخراط القوات المسلحة في صنعاء في معركة إسناد قطاع غزة عسكرياً في البحرين الأحمر والعربي. وبذلك، يؤكد الواقع أن تجميد مسار السلام ليس رغبة ذاتية لصنعاء، بل نتيجة مباشرة لربط واشنطن والرياض للملف الإنساني اليمني بملفات الإقليم، وهو ما يثبت دقة قراءة صنعاء للضغوط الخارجية لثني اليمن عن موقفه القومي تجاه فلسطين.
وعلى صعيد حرب الأجواء والموانئ وأزمة الخطوط الجوية اليمنية، اتهم الزنداني سلطات صنعاء باحتجاز الطائرات والتدخل في إيرادات الشركة، غير أن سياق الأزمة يميل بوضوح لتأييد موقف صنعاء؛ إذ إن إجراءات إدارة الشركة في عدن بتجميد أرصدة الشركة وحصر مبيعات التذاكر هناك، شكلت قرصنة مالية وتنظيمية تهدف إلى خنق مطار صنعاء مجدداً، ومنع فتح وجهات سفر جديدة للمرضى والمسافرين.. ومن هذا المنطلق، لم تكن خطوة صنعاء بالتحفظ على الطائرات إلا إجراءً دفاعياً لكسر العزلة المفروضة على شمال اليمن الذي يضم الوفود السكانية الأكبر، وإجبار إدارة عدن على التراجع عن تسييس الملف التجاري والإنساني للشركة الوطنية.
وفي ملف المشتقات النفطية والسيادة الحيوية، تجد سردية صنعاء مصداقيتها في الواقع عند مقارنتها بمواقف الأطراف، فحين يتعرض ميناء الحديدة ومطار صنعاء ومخازن الوقود للقصف من قِبل غارات خارجية إسرائيلية وأمريكية بريطانية، فإن صمت حكومة عدن أو محاولتها تبرير هذا العدوان عبر إلقاء اللوم على الضحية، يمثل سقوطاً سيادياً يعزز اتهامات صنعاء لهذه الحكومة بالتواطؤ مع الخارج. كما أن إلقاء اللوم على صنعاء في تدمير البنية التحتية بفعل الغارات الخارجية يُظهر الحكومة بمظهر المبرر للاعتداءات على أراضٍ يمنية، مما يضعف من مشروعيتها الدستورية المفترضة، ويؤكد السردية السائدة بأن سلطة صنعاء هي الوحيدة التي تتصدى للدفاع عن السيادة الوطنية.
وعند إخضاع لغة البيان البنيوية للتحليل الاقتصادي والسياسي، نجد أن تكثيف العبارات التي تشير إلى العمل المشترك مع "المملكة والتحالف" لدعم الميزانية أو دراسة إعادة الرحلات لا يدع مجالاً للشك في صحة الرواية التي تطرحها صنعاء حول ارتهان القرار السيادي لهذه الحكومة بالكامل للعواصم الخارجية، ويظهر تلك الحكومة بمظهر العاجز عن إدارة أبسط الملفات الخدمية كفتح مطار دون إذن أو معونة من الفاعلين الإقليميين. كما كشف البيان عن تقديم مقترحات مشروطة لإعادة تشغيل المطار وتوسيع الرحلات، مثل ربط التشغيل المستدام بعدم تدخل سلطات صنعاء في الإيرادات، وهو ما يمثل اعترافاً ضمنياً بأن الحظر المفروض على الأجواء والمطارات اليمنية ليس ناتجاً عن عوائق تقنية أو قانونية دولية، بل هو قرار سياسي اتخذته هذه الحكومة والتحالف كأداة للعقاب الجماعي والضغط الاقتصادي.
ويظهر التحليل السياسي لبيان رئيس الحكومة الموالية للرياض أن لغة الخطاب الموجه للداخل جاءت بنتائج عكسية، وحملت ثغرات سيادية واقتصادية قاتلة شرعنت مطالب صنعاء بملف المرتبات والثروة؛ فحين يهاجم البيان استهداف صادرات النفط من الموانئ الشرقية لليمن واصفاً إياه بغير المبرر، فإنه يتغافل عمداً عن المطلب الجوهري والعادل الذي أعلنت عنه صنعاء بربط استئناف التصدير بدفع مرتبات موظفي الدولة في عموم الجمهورية من عائدات هذه الثروة السيادية.. وهذا التغافل يدين هذه الحكومة بإظهارها كطرف يستأثر بثروات البلاد النفطية ويرفض تقاسمها مع بقية المواطنين، مما يمنح قرار صنعاء بحظر التصدير مشروعية شعبية كبرى باعتباره خطوة لحماية الثروة من النفاد، ويرسخ موقع صنعاء كطرف يدافع عن الحقوق الأساسية في مواجهة أجندات الخارج.
المصدر:
البوابة الإخبارية اليمنية