البيان الرسمي الأخير الصادر عن وزارة الخارجية في حكومة صنعاء، والذي توعد صراحة باستهداف منشآت شركة «أرامكو» النفطية، والبورصة السعودية، ومشاريع «رؤية 2030»، يمثل نقطة تحول استراتيجية تتجاوز مجرد المناورة السياسية أو رفع سقف المطالب التفاوضية، بل تمثل عملية تأسيس علني لمرحلة عسكرية وسياسية مغايرة، تهدف بالدرجة الأولى إلى كسر القيود المفروضة على الموانئ والمطارات، وإجبار التحالف الذي تقوده الرياض على الرضوخ لاستحقاقات السلام، واضعاً حداً نهائياً لحالة «اللاسلم واللاحرب» التي باتت تُستغل كأداة لاستنزاف الاقتصاد اليمني وتعميق المعاناة الإنسانية.
وعلى مدى السنوات الماضية، عاش اليمنيون في المناطق التابعة لحكومة صنعاء تفاصيل أزمة إنسانية خانقة؛ فالمرتبات مقطوعة، والقيود على حركة السفن في ميناء الحديدة والرحلات التجارية عبر مطار صنعاء الدولي ما تزال سيفاً مسلطاً على لقمة عيش المواطن.. وهذه الحالة الممتدة من المراوحة، والتي يُنظر إليها شعبياً وسياسياً باعتبارها "موتاً بطيئاً"، هي ما دفع صنعاء إلى صياغة معادلة جديدة وحاسمة ترتكز على جعل الأمن الاقتصادي والاستثماري للمملكة قابلاً للتهديد المباشر في حال استمرار الحصار والقيود المعيشية على الشعب اليمني.
ولم يكتفِ البيان بالتهديد العمومي، بل حدد بنك أهداف يمس عصب التحول الاستراتيجي للمملكة، حيث تعني الإشارة المباشرة إلى ينبع والمشاريع الاستثمارية والبورصة أن صنعاء تدرك بدقة أين تكمن مراكز الثقل الحساسة لصانع القرار السعودي الذي يحاول تسويق بلاده كمركز مالي وسياحي عالمي.
ويرى محللون أن الإصرار الحالي من قبل صنعاء على كسر حالة الجمود الحالية ليس ترفاً سياسياً أو خياراً عابراً، بل هو استجابة مباشرة لضغط شعبي يمني طحنته سنوات الحصار الجائر وتوقف الخدمات الأساسية، فبند المرتبات المقطوعة وتجفيف الموارد السيادية من نفط وغاز، إلى جانب التلاعب بالملف المصرفي والبنكي، تحولت جميعها في المنظور الرسمي لصنعاء إلى أدوات حرب بديلة لا تقل ضراوة عن القصف الجوي المباشر.
هذا الواقع أفرز قناعة تامة لدى الشارع في مناطق سيطرة حكومة صنعاء، ولدى والقيادة بأن الذهاب نحو خيار المواجهة العسكرية الشاملة، على خطورته، يعد مخاطرة ضرورية وأخلاقية لانتزاع الحقوق، بدلاً من الاستسلام لسياسة التجويع الممنهج التي تهدف إلى تحقيق مكاسب سياسية عجز التحالف عن تحصيلها في جبهات القتال التقليدية طيلة السنوات العشر الماضية.
ولم يعد التهديد القادم من صنعاء مجرد شعار سياسي، بل بات مدعوما بوقائع ميدانية واعترافات دولية غيرت ميزان القوى في المنطقة برمتها، فالمواجهات الأخيرة في البحر الأحمر، والتي خاضتها قوات صنعاء إسناداً لقطاع غزة، أثبتت امتلاكها ترسانة عسكرية ذات كفاءة تدميرية وتكتيكية فائقة، حدت بالقيادات العسكرية الأمريكية إلى وصفها بالمعركة البحرية الأكثر كثافة منذ الحرب العالمية الثانية. وهذا الاعتراف الدولي، مدفوعاً بالضربات العملية التي وجهتها صنعاء نحو العمق الإسرائيلي وشلل ميناء إيلات واستهداف محيط مطار بن غوريون، يمنح التهديدات الحالية وزناً استراتيجياً ثقيلاً، ويفرض على الحسابات السعودية انطلاقاً من فرضية أن المنظومات الدفاعية الغربية التي فشلت في حماية حلفائها لن تكون قادرة على تأمين حقول النفط ومحطات التحلية ومصافي التكرير الممتدة على طول جغرافية المملكة.
وتأتي هذه اللهجة الصارمة من صنعاء لتفكك طبيعة المماطلة السعودية المرتبطة بالتحركات والضغوط الخارجية، حيث تجد الرياض نفسها اليوم عالقة في فخ الحسابات الأمريكية التي تحاول استخدام الورقة الاقتصادية وتشديد الحصار كوسيلة ضغط لإجبار صنعاء على وقف عملياتها العسكرية في البحار. ومن خلال هذا الموقف، بعثت صنعاء برسالة واضحة للأصيل والوكيل معاً، مؤكدة أنها لن تقبل باستمرار الحصار وتجويع الشعب اليمني، وأن الرد على أي ضغوط اقتصادية أو تمترس خلف التوجيهات الأمريكية لن يوجه نحو الأدوات المحلية، بل سينهال مباشرة على رأس النظام السعودي باعتباره المسؤول الأول والمباشر عن استمرار الحرب والحصار وتبعاتهما الكارثية.
البُعد السياسي والسيادي الأبرز الذي حملته التصريحات الأخيرة لمسؤولي حكومة صنعاء، هو الإصرار على تفكيك سردية الوسيط التي تحاول الرياض التلحف بها للتهرب من التزاماتها.فقد أكدت البيانات الرسمية بنبرة حاسمة أن السعودية هي رأس التحالف الذي أعلن الحرب وتبناها، وليست طرفاً محايداً مؤهلاً لإدارة تفاهمات بين اليمنيين، وهو ما يترتب عليه
إلزام الرياض بكامل استحقاقات السلام العادل التي تتجاوز مجرد وقف إطلاق النار إلى التوقيع الفوري على خارطة الطريق التي جرت صياغتها برعاية سلطنة عُمان.
وتتضمن هذه الاستحقاقات الصرف الفوري لمرتبات الموظفين من عائدات الثروات الوطنية، والرفع الكامل وغير المشروط للقيود المفروضة على المطارات والموانئ اليمنية، والالتزام بملف التعويضات العادلة وإعادة إعمار ما دمرته الحرب، مع التوقف التام عن العبث بالموارد السيادية وإنهاء كافة أشكال التدخل في الشأن الداخلي اليمني.
في المحصلة، يضع هذا التصعيد غير المسبوق المنطقة أمام استحقاق داهم وجدي يحمل رسالة واضحة، مفادها أن زمن الصبر والمناورات السياسية قد انتهى تماماً، وباتت الخيارات أمام الرياض تضيق يوماً بعد آخر.
وبين خيار التوقيع الفوري على استحقاقات السلام والاعتراف بحقوق الشعب اليمني، أو مواجهة جولة صراع شاملة ومجربة قد تطيح بأحلام الانتعاش الاقتصادي والمشاريع المليارية للمملكة، تبدو الرياض أمام اللحظة الأكثر حرجاً؛ حيث تقف في مواجهة قوة عسكرية أثبتت للعالم قدرتها العالية على صياغة المعادلات الجيوسياسية بالنار والبارود، وتغيير وجه المنطقة من بوابة اليمن.
المصدر:
البوابة الإخبارية اليمنية