ويمثل إعلان صنعاء نجاح دفاعاتها الجوية في إجبار مقاتلات حربية سعودية حديثة على مغادرة الأجواء التطور العسكري الأبرز في مسار الصراع الذي يمتد لما يقرب من أحد عشر عاماً، حيث أنه وطوال سنوات الحرب، مثّل التفوق الجوي الورقة الاستراتيجية الرابحة للتحالف الذي تقوده السعودية؛ إلا أن دخول منظومات دفاع جوي يمنية متطورة على خط المواجهة المباشرة والعلنية يشير إلى سد هذه الفجوة العسكرية كلياً.
ووفقا لمحللين عسكريين، فإن انتقال الدفاعات الجوية من كسر موجات الطيران إلى الاشتباك الصاروخي المباشر مع التشكيلات المقاتلة يعني عملياً حرمان الطرف الآخر من ميزته النسبيّة، وفرض واقع جديد يحظر استباحة الأجواء اليمنية، مما يغير موازين القوى كلياً في أي جولة صدام قادمة.
ولم تقتصر الرسائل العسكرية لبيان قوات صنعاء على النطاق الجوي، بل تجاوزته لتحدد جغرافية واسعة للردع تحت بند "الرد الشامل"، بما يمثله ذلك من تهديد صريح باستهداف المطارات والمصالح الحيوية للسعودية في "البر والبحر"، وهو ما يعكس امتلاك صنعاء لبنك أهداف إستراتيجي قادر على شل الحركة الاقتصادية والملاحية في العمق السعودي، في حال اختارت الرياض المضي في التصعيد.
ويشير المحللون إلى أن إقحام التهديد "البحري"، وفقا لما جاء في البيان، يحمل أبعاداً بالغة الحساسية؛ فهو يضع الملاحة بالنسبة لأي من الدول المعادية في البحر الأحمر وباب المندب، ضمن معادلة الضغط العسكري، مما يرفع كلفة أي محاولة لإبقاء القيود على مطار صنعاء الدولي، ويربط استقرار الملاحة الإقليمية برفع الحصار عن الموانئ والأجواء اليمنية.
ويعيد البيان تصويب البوصلة نحو المطالب العادلة لحكومة صنعاء، مبعدا ملف الحصار عن أي أبعاد مساومة سياسية، حيث تؤكد القوات المسلحة التابعة لحكومة صنعاء، أن رفع الحصار، وتشغيل مطار صنعاء الدولي وتسيير الرحلات المدنية هو حق إنساني وقانوني أصيل لرفع المعاناة عن مئات الآلاف من الجرحى والمرضى والعالقين، وليس منحة تخضع للتفاوض.
وفي سياق السلام، يربط البيان بوضوح بين الجاهزية العسكرية العالية (الأيادي على الزناد) وبين الإيفاء الجاد باستحقاقات السلام المستدام، وهذا السلام، وفقاً لرؤية صنعاء، لا يقف عند مجرد وقف إطلاق النار، بل يمر حتماً عبر تنفيذ التزامات واضحة تشمل فك الحصار الشامل، ودفع مرتبات الموظفين من عائدات الثروات السيادية، والانتقال الفوري إلى ملفات إعادة الإعمار، والتعويضات، وجبر الضرر الناجم عن سنوات الحرب، مع إنهاء كافة أشكال الوصاية الخارجية على السيادة اليمنية.
ولا يمكن قراءة البيان بمعزل عن سياقه الإقليمي الحرج؛ فإشارة البيان إلى عودة الوفد الرسمي والشعبي من طهران بعد المشاركة في تشييع المرشد الإيراني الراحل السيد علي خامنئي، والإشادة بالموقف الإيراني المبادر لكسر الحصار، يحملان دلالات جيوسياسية هامة، حيث أن هذا التوقيت يثبت متانة التنسيق العسكري والسياسي ضمن ما يُعرف بـ"محور المقاومة"، ويرسخ عملياً مبدأ "وحدة الساحات".
وتبعث صنعاء عبر هذا الربط برسالة واضحة إلى واشنطن والرياض مفادها أن التحولات القيادية في طهران أو الضغوط السياسية والاقتصادية لن تفكك عُرى هذا التحالف، وأن الخط الجوي بين صنعاء وطهران بات شرياناً سيادياً واستراتيجياً ثابتاً ستحميه القوة العسكرية مهما كانت التداعيات.
ويؤكد المحللون أن هذا البيان يضع المنطقة أمام مفترق طرق حقيقي؛ فقد أثبتت المعطيات الميدانية أن صنعاء باتت تملك الأدوات العسكرية اللازمة لفرض شروطها السياسية والإنسانية، وفي هذا الموقف فإن الرياض مطالبة بالاختيار بين مسارين: إما المضي قدماً في التفاهمات السياسية وتنفيذ استحقاقات السلام الشامل وإعادة الإعمار، أو مواجهة جولة تصعيد عسكري غير مسبوقة لن تقف حدودها داخل الأراضي اليمنيّة.
المصدر:
البوابة الإخبارية اليمنية