آخر الأخبار

التشكيك بالمولدات السعودية.. صراع نفوذ يتجاوز ملف الكهرباء

شارك

فمع وصول المولدات الكهربائية إلى محافظة حضرموت، لم يقتصر الجدل على مدى قدرتها على تخفيف أزمة الكهرباء، وإنما امتد إلى طبيعة هذه المولدات وآلية تشغيلها والأهداف السياسية والاقتصادية التي تقف وراءها.

الحملة التي قادها ناشطون ووسائل إعلام محسوبة على الإمارات ركزت على نفي الرواية التي قدمت المولدات باعتبارها منحة سعودية، مؤكدة أنها جزء من عقود استثمارية تعمل وفق نظام "البناء والتشغيل ونقل الملكية" (BOT)، بما يعني أن السعودية أو الشركات المرتبطة بها لن تقدم خدمة مجانية، وإنما ستدير المشروع لعدة سنوات مقابل عوائد مالية، بينما تتحمل حكومة عدن تكاليف الوقود والتشغيل.

ومن خلال هذا الطرح، تحاول هذه الأطراف تغيير صورة المشروع في نظر الشارع، من مبادرة دعم إلى مشروع استثماري يحقق أرباحاً للجانب السعودي.

ولا يتوقف الأمر عند الجوانب الاقتصادية، إذ يرتبط أيضاً بالصراع على النفوذ داخل المحافظات الجنوبية. فحضرموت أصبحت خلال الفترة الأخيرة واحدة من أهم ساحات التنافس بين الرياض وأبوظبي، خصوصاً بعد المتغيرات السياسية والعسكرية التي شهدتها المحافظة، وما رافقها من تراجع نسبي للدور الإماراتي المباشر مقابل توسع الحضور السعودي. لذلك ينظر كثيرون إلى أي مشروع سعودي جديد في حضرموت باعتباره جزءاً من محاولة تثبيت النفوذ طويل الأمد، وليس مجرد تدخل خدمي.

كما أن اتهام السعودية باستخدام مولدات سبق أن استعملت في مشاريع داخل المملكة يهدف إلى تقويض الثقة بالمشروع منذ بدايته.

فحتى لو لم تثبت هذه الأمور بشكل قاطع، فإن مجرد تداولها يساهم في خلق انطباع سلبي لدى الرأي العام، ويجعل المواطنين يشككون في جودة المعدات وجدواها وقدرتها على حل الأزمة. وهذا يعكس طبيعة الحرب الإعلامية الدائرة بين الطرفين، حيث أصبح تسريب المعلومات والاتهامات المتبادلة وسيلة للتأثير في المزاج الشعبي.

في المقابل، فإن الانتقادات التي وجهها ناشطون موالون للمجلس الانتقالي تعكس جانباً آخر من الأزمة. فهذه الانتقادات لا تركز فقط على طبيعة المولدات، وإنما تستند أيضاً إلى سجل طويل من الوعود التي أعلنتها السعودية منذ سنوات بشأن تحسين قطاع الكهرباء دون أن يلمس المواطن نتائج كبيرة على أرض الواقع. لذلك يرى هؤلاء أن الشارع أصبح أقل استعداداً لتصديق أي إعلان جديد، بسبب تراكم التجارب السابقة التي انتهت دون حلول دائمة.

ومن اللافت أن ملف الكهرباء تحول إلى ورقة سياسية تستخدمها مختلف الأطراف في معركة كسب التأييد الشعبي. فكل طرف يحاول تحميل الآخر مسؤولية استمرار الأزمة، بينما يقدم نفسه باعتباره الأكثر حرصاً على مصالح المواطنين. وفي ظل هذا الواقع، تصبح المشاريع الخدمية نفسها جزءاً من المنافسة السياسية، إذ يجري تقييمها وفق الجهة التي تقف خلفها أكثر من تقييمها وفق نتائجها الفعلية.

كما تكشف هذه الحملة الإعلامية أن الصراع السعودي الإماراتي لم يعد يقتصر على الجوانب العسكرية أو الأمنية، وإنما امتد إلى الملفات الاقتصادية والخدمية والاستثمارية. فمشاريع الكهرباء والموانئ والطاقة والبنية التحتية أصبحت أدوات لترسيخ النفوذ، لأن الجهة التي تدير هذه القطاعات تكتسب تأثيراً سياسياً واقتصادياً طويل المدى داخل المناطق التي تعمل فيها.

وفي الوقت نفسه، فإن استمرار الجدل حول طبيعة هذه المولدات يعكس حجم أزمة الثقة بين المواطن والجهات الداعمة. فبعد أكثر من عشر سنوات من الوعود المتكررة بتحسين الكهرباء، ما تزال الخدمة تعاني من تدهور كبير في معظم المحافظات الجنوبية، الأمر الذي يجعل أي مشروع جديد يواجه موجة من التشكيك قبل أن يبدأ العمل فعلياً. فالشارع بات يقيس النجاح بما يتحقق على الأرض، لا بما يعلن في البيانات الرسمية أو الحملات الإعلامية.

في المحصلة، يبدو أن قضية المولدات الكهربائية في حضرموت تتجاوز بكثير مسألة توفير الكهرباء. فهي تعكس استمرار التنافس السعودي الإماراتي على النفوذ في جنوب اليمن، وتوضح كيف أصبحت المشاريع الخدمية جزءاً من هذا الصراع. وبين الاتهامات المتبادلة والحملات الإعلامية المتواصلة، يبقى المواطن اليمني الطرف الأكثر تضرراً، إذ لا يزال ينتظر حلاً حقيقياً ومستداماً لأزمة الكهرباء، بعيداً عن حسابات النفوذ والمنافسة الإقليمية التي عطلت كثيراً من الملفات الخدمية خلال السنوات الماضية.


* نقلا عن عرب جورنال


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا