اللافت أن الاتهامات لم تتجه نحو تنظيمات متطرفة أو جهات مجهولة كما كان يحدث في كثير من عمليات الاغتيال السابقة، بل ذهبت مباشرة نحو أطراف سياسية وإقليمية فاعلة في المشهد، وفي مقدمتها الإمارات. هذا يكشف أن الحادثة جرى التعامل معها باعتبارها جزءاً من معركة النفوذ الدائرة في الجنوب، لا مجرد استهداف لشخصية إعلامية.
التيار الإعلامي القريب من السعودية يرى أن الاغتيال قد يكون مرتبطاً بالدور المهني الذي كان يقوم به محمد عيضة، خصوصاً وأنه كان بالفعل يعمل على إعداد تقارير تتناول النفوذ الإماراتي في حضرموت أو تنتقد سياسات أبوظبي في المحافظة.
ومن وجهة نظر هذا التيار، فإن الصحفي تحول إلى طرف مزعج لبعض القوى بسبب طبيعة الملفات التي كان يسلط الضوء عليها. لذلك جاءت الاتهامات للإمارات منسجمة مع الرواية السياسية التي تتبناها الرياض وأنصارها في الفترة الأخيرة، والتي تقوم على تصوير الإمارات باعتبارها العقبة الرئيسية أمام مشروع السعودية في المحافظات الجنوبية.
في المقابل، يذهب ناشطون مقربون من حزب الإصلاح إلى تحميل المجلس الانتقالي الجنوبي المسؤولية عن العملية. ويستند هذا الاتهام إلى حالة الاستقطاب الحادة بين الانتقالي والقوى المؤيدة للسعودية داخل حضرموت.
فالمجلس الانتقالي ينظر إلى أي توسع للنفوذ السعودي على أنه تهديد مباشر لمشروعه السياسي، بينما ترى القوى المقربة من الرياض أن الانتقالي يمثل الأداة الرئيسية للإمارات في الجنوب. وبناء على ذلك، فإن اغتيال شخصية إعلامية يُنظر إليها على أنها داعمة للتوجه السعودي يمكن أن يُفسر، وفق هذه الرواية، على أنه رسالة سياسية أكثر منه عملية أمنية عادية.
لكن المشكلة أن جميع هذه الاتهامات لا تزال حتى الآن في إطار الاستنتاجات السياسية، وليس في إطار الأدلة المعلنة. ففي البيئات التي تشهد صراعات نفوذ معقدة، غالباً ما تتحول أي حادثة أمنية إلى مادة لتصفية الحسابات الإعلامية والسياسية. ولذلك فإن سرعة تبادل الاتهامات قد تعكس رغبة كل طرف في استثمار الحدث ضد خصومه بقدر ما تعكس محاولة الوصول إلى الحقيقة.
الأهمية الحقيقية للحادثة تكمن في توقيتها. فحضرموت أصبحت خلال الأشهر الأخيرة إحدى أهم ساحات التنافس بين السعودية والإمارات. وبعد سنوات من الشراكة الظاهرية داخل التحالف، بات الخلاف بين الطرفين أكثر وضوحاً في عدد من الملفات الجنوبية.
السعودية تسعى إلى تعزيز حضورها المباشر في حضرموت باعتبارها المحافظة الأكبر والأغنى بالموارد، بينما تحاول الإمارات الحفاظ على نفوذها السياسي والعسكري عبر حلفائها المحليين وفي مقدمتهم المجلس الانتقالي.
في ظل هذا الواقع، تتحول المحافظة إلى ساحة صراع مفتوح تستخدم فيها أدوات متعددة، من بينها الإعلام والحملات السياسية والتحركات العسكرية والتعبئة الشعبية. ولهذا فإن أي حادثة كبيرة، خصوصاً إذا استهدفت شخصية إعلامية معروفة، تكتسب أبعاداً تتجاوز الضحية نفسها لتصبح جزءاً من معركة النفوذ الأوسع.
كما أن الحادثة تكشف حجم المخاطر التي يواجهها الصحفيون في اليمن. فالصحفي الذي يعمل في بيئة تتداخل فيها المصالح المحلية والإقليمية يصبح معرضاً للاستهداف من أكثر من جهة، سواء بسبب ما ينشره أو بسبب الانطباعات التي تتشكل حول انتماءاته ومواقفه. وفي مثل هذه الظروف تصبح حرية العمل الصحفي مرتبطة مباشرة بموازين القوة والصراع السياسي.
في المحصلة، يبدو أن اغتيال محمد عيضة سيتحول إلى محطة جديدة في الصراع السعودي الإماراتي داخل حضرموت، بغض النظر عن الجهة التي تقف خلف العملية.
فالأطراف المتنافسة ستواصل توظيف الحادثة لتعزيز رواياتها السياسية، بينما ستبقى الحقيقة الكاملة رهينة نتائج أي تحقيق مهني وشفاف. أما المؤكد فهو أن الحادثة تعكس مستوى الاحتقان المتصاعد في الجنوب، وتؤكد أن المنافسة على النفوذ لم تعد تقتصر على الجوانب السياسية والعسكرية، بل امتدت لتطال المجال الإعلامي أيضاً.
المصدر:
البوابة الإخبارية اليمنية