تشير هذه التصريحات إلى أن صنعاء تعيد تعريف أولويات المواجهة خلال المرحلة المقبلة، من خلال الربط بين القضية اليمنية والتطورات الأمنية في البحر الأحمر، واعتبار أي تحرك إسرائيلي في المناطق المطلة على الممرات البحرية الاستراتيجية تهديداً مباشراً للأمن القومي اليمني. ويعكس ذلك توجهاً نحو توسيع دائرة الاشتباك السياسي والإعلامي، وربما العسكري، بما يتجاوز حدود الصراع التقليدي مع التحالف الذي تقوده السعودية.
كما أن دعوة الحوثي إلى إنهاء ما يصفه بالاحتلال واستعادة الثروات اليمنية، خصوصاً حقول النفط والغاز الواقعة تحت سيطرة حكومة عدن الموالية للسعودية، تكشف عن تصاعد حالة الاستياء من استمرار الجمود السياسي الذي رافق سنوات التهدئة الأخيرة. فعلى الرغم من تراجع العمليات العسكرية الواسعة منذ عام 2022، إلا أن الملفات الاقتصادية والإنسانية الرئيسية ظلت بدون حلول جذرية، الأمر الذي دفع بقيادة صنعاء إلى إظهار استعداد أكبر للانتقال من مرحلة الانتظار إلى مرحلة الضغط السياسي والشعبي وربما العسكري.
وتكتسب هذه المواقف أهمية إضافية في ظل الدعم الذي أعلنته المؤسسات التابعة لصنعاء، سواء على مستوى الحكومة أو قوات التعبئة العامة، ما يوحي بوجود حالة من التنسيق الداخلي تؤكد الجاهزية لخوض مرحلة جديدة إذا ما تقررت العودة إلى التصعيد. ومن شأن هذا الاصطفاف أن يمنح قوات صنعاء مساحة أوسع للمناورة، لكنه في الوقت نفسه يرفع مستوى التوقعات لدى القاعدة الشعبية بشأن إمكانية تحقيق تقدم ملموس في الملفات العالقة.
في المقابل، تعكس التهديدات المتعلقة بأرض الصومال توجهاً واضحاً لدى صنعاء للتعامل مع أي وجود إسرائيلي محتمل في تلك المنطقة، باعتباره امتداداً مباشراً للتهديدات التي تواجهها في البحر الأحمر وخليج عدن. ويكتسب هذا الموقف بعداً عملياً في ظل التطور الكبير الذي شهدته القدرات الصاروخية والجوية لقوات صنعاء خلال السنوات الأخيرة، حيث أثبتت قدرتها على تنفيذ عمليات بعيدة المدى والوصول إلى أهداف تقع على مسافات كبيرة، بما في ذلك أهداف داخل العمق الإسرائيلي. وبناءً على ذلك، فإن الحديث عن استهداف أي تمركز إسرائيلي في أرض الصومال لا يُنظر إليه من زاوية التهديد السياسي فقط، بل يستند أيضاً إلى معطيات عسكرية تعزز من إمكانية تنفيذ مثل هذه العمليات إذا ما اتُخذ قرار بذلك. كما أن الموقع الجغرافي للإقليم المطل على خليج عدن يجعله جزءاً من الحسابات الأمنية المرتبطة بحركة الملاحة الدولية وموازين القوة في البحر الأحمر، وهو ما يفسر الحساسية الكبيرة التي تبديها صنعاء تجاه أي تحركات عسكرية أجنبية في تلك المنطقة.
وعلى المستوى السياسي، يمكن قراءة الخطاب الأخير باعتباره رسالة موجهة إلى أطراف عدة في آن واحد. فهو يضغط على السعودية والتحالف لإعادة تحريك مسار التسوية المتعثر، ويبعث برسالة إلى الولايات المتحدة وإسرائيل بأن صنعاء أصبحت طرفاً فاعلاً في معادلات الأمن الإقليمي، كما يهدف داخلياً إلى تعبئة الرأي العام حول أهداف مرتبطة بالسيادة الوطنية واستعادة الموارد الاقتصادية.
بشكل عام، تكشف التطورات الأخيرة عن احتمال دخول الملف اليمني مرحلة جديدة بعد سنوات من خفض التصعيد النسبي. فاستمرار التعثر في تنفيذ التفاهمات السابقة، إلى جانب التحولات الجارية في البحر الأحمر، قد يدفع بمختلف الأطراف إلى إعادة حساباتها الاستراتيجية. وبينما لا تزال فرص التسوية السياسية قائمة، فإن تصاعد لغة التهديد والتلويح بخيارات أكثر حدة يعكس تزايد القناعة لدى صنعاء بأن الوضع القائم لم يعد قابلاً للاستمرار بدون تغييرات جوهرية في موازين التفاوض والضغط.
المصدر:
البوابة الإخبارية اليمنية