وأمام الخطوات الأخيرة لإدارة هرجيسا وتوقيعها على تفاهمات تفتح الباب لنشر طواقم فنية عسكرية إسرائيلية وتجهيز محطات رصد تابعة للكيان الإسرائيلي في هرجيسا وميناء بربرة، حددت صنعاء موقفاً حاسماً باعتراضها على هذا التواجد، معتبرة إياه محاولة إسرائيلية للالتفاف على الحظر البحري المفروض عليها، ومؤكدة في الوقت ذاته امتلاكها القدرة الكاملة على حماية أمنها الاستراتيجي في خليج عدن والبحر العربي.
وكانت العلاقات بين الطرفين قد شهدت قفزة واضحة عقب زيارة رئيس أرض الصومال، عبد الرحمن محمد عبد الله "إيرو"، إلى تل أبيب واعتزام الإقليم فتح ممثلية دبلوماسية في القدس، مما يضع الإقليم في مربع التحالفات الإقليمية الجديدة في المنطقة، وبالمقابل وفي السياق الميداني، تواترت تقارير استخباراتية وإعلامية دولية تفيد بقيام إسرائيل بنشر قوة عسكرية وفنية صغيرة -تضم عناصر من أصول إثيوبية لتسهيل الحركة- في مناطق هرجيسا وميناء بربرة الاستراتيجي، بهدف إنشاء محطات استطلاع وتأمين نقاط توقف لوجستية للطيران.
ويرى محللون عسكريون وجيوسياسيون أن التوقيت والموقع الجغرافي للتحركات الإسرائيلية المتسارعة في القرن الإفريقي يرتبطان ارتباطاً وثيقاً بملف الحظر البحري المفروض على الملاحة الإسرائيلية من قبل حكومة صنعاء. هذا الحظر، الذي بدأ بشكل صارم خلال فترة العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، وتسبب في شل الحركة الملاحية للسفن المرتبطة بإسرائيل أو المتجهة إلى موانئها عبر البحرين الأحمر والعربي ومضيق باب المندب.
ومع استئناف صنعاء وتوسيعها لنطاق هذا الحظر البحري بشكل مكثف خلال الأسبوع الماضي، بالتزامن مع التصعيد العسكري الإسرائيلي والعمليات الحربية في لبنان، واجهت تل أبيب ضغوطاً متجددة على خطوط إمدادها البحرية الجنوبية تسببت في إغلاق شبه كامل لهذه الممرات أمام سفنها، وهذا الضغط الميداني المتجدد قد يكون- بحسب محللين- هو ما دفع إلى محاولة تسريع تنسيقه مع إقليم أرض الصومال، بحثاً عن جغرافيا بديلة تتيح له التعامل مع تداعيات العزلة البحرية، وإيجاد منافذ مراقبة وحماية استباقية قريبة من الممرات المائية الحيوية.
ويتمثل الهدف الأساسي من محاولات إسرائيل لإيجاد موطئ قدم عسكري أو استخباري في بربرة- وفقا لمحللين وخبراء عسكريين- في نشر منظومات إنذار مبكر، ومحطات استخبارات إشارات، لتتبع حركة الطائرات المسيرة والصواريخ التي تنطلق من السواحل اليمنية، حيث يسعى الكيان الإسرائيلي عبر هذا التنسيق إلى رصد الأنشطة العسكرية في المنطقة وتأمين خطوط الملاحة الدولية وحلفائه، إلى جانب تعزيز النفوذ الاقتصادي والأمني في منطقة القرن الإفريقي الحساسة بالتعاون مع أطراف إقليمية أخرى تدور في فلك التطبيع.
ويؤكد المحللون أن الساحل الطويل لأرض الصومال، الذي يمتد على الضفة المقابلة للسواحل اليمنية عبر خليج عدن، يمنح الكيان الإسرائيلي، في حال تمكن من إنشاء قواعد عسكرية ومحطات استطلاع ومراكز استخبارات، يمنحه عمقاً استطلاعياً لمواجهة معادلة الحظر البحري، ومحاولة كسر الطوق المفروض على سفنه من خلال إيجاد مسرح عمليات بديل وقريب من خطوط المواجهة البحرية الحالية.
ورداً على هذه التحركات، جاء الموقف الرسمي الصادر عن حكومة صنعاء ليضع خطوطاً واضحة؛ حيث أكد نائب وزير الخارجية والمغتربين، عبد الواحد أبوراس، أن اليمن يتابع بدقة هذه الأنشطة، مشدداً على أن "أمن اليمن والمنطقة خط أحمر" لا يمكن تعريضه للمساس.
وفي التصريح الذي نشرته وكالة الأنباء اليمنية (سبأ)، أوضح أبوراس أن التحركات الإسرائيلية في الصومال تهدف إلى تحويل المنطقة إلى ساحة صراعات للقوى الدولية والإقليمية، محذراً من أن تكلفة الصمت على هذه الخطوات ستكون باهظة على الأمن والاستقرار الإقليمي. كما أشار إلى أن صنعاء تمتلك الإرادة والقدرة على حماية أمنها الاستراتيجي والدفاع عن سيادتها ومصالحها البحرية، مؤكداً أن معادلات حظر الملاحة المرتبطة بالعدوان على غزة ولبنان لن تتراجع أمام محاولات الالتفاف الاستخباراتية.
ودعا المسؤول في سلطات صنعاء الأطراف الصومالية ودول المنطقة إلى إدراك أبعاد هذا المشروع، مطالباً باليقظة تجاه الوعود الاقتصادية والتنموية التي قد تُستخدم كغطاء لتمرير أجندات عسكرية تؤدي إلى عسكرة الممرات المائية وتضرر مصالح الشعوب الإفريقية.
ويشير التصريح في ختامه إلى أن إقليم أرض الصومال قد يواجه تبعات معقدة جراء هذا التوجه؛ حيث تسعى الحكومة الفيدرالية في مقديشو إلى الحفاظ على وحدة الصومال وسيادته، وتعتبر تحركات هرجيسا الانفصالية وتوقيعها اتفاقيات خارجية غير قانونية وطعنة في خاصرة الاستقرار الداخلي، وهو موقف يحظى بدعم وتأييد واسع من منظمة التعاون الإسلامي والجامعة العربية.
ويؤكد المحللون أن محاولات تحويل القرن الإفريقي وجنوب البحر الأحمر إلى مسرح للعمليات العسكرية، تضع المنطقة أمام مرحلة فرز استراتيجي جديد؛ إذ يقابل التحالف الناشئ بين هرجيسا وتل أبيب برفض إقليمي ودولي واسع، مما قد يدفع نحو تصعيد سياسي وأمني جديد في واحدة من أهم قنوات التجارة العالمية.
المصدر:
البوابة الإخبارية اليمنية