آخر الأخبار

تفاصيل "الانكسار الملحمي" .. كيف حوّلت طهران الحرب عليها إلى نصر استراتيجي ؟

شارك

وعندما أطلقت إدارة ترامب عملياتها العسكرية تحت مسمى عملية "الغضب الملحمي"، في فبراير الماضي، كانت الأهداف المعلنة صريحة ولا تقبل التأويل، وتتضمن: إسقاط النظام الإيراني عقب اغتيال القيادة العليا، تدمير كامل لترسانة الصواريخ والمسيرات، وتفكيك البرنامج النووي نهائياً،
إلا أن مجريات الحرب أثبتت فشل هذه الحسابات؛ فنظام طهران لم يتأثر داخلياً، وترسانته الصاروخية المخفية في "المدن المحصنة تحت الأرض" حافظت على أكثر من 70% من قدراتها التشغيلية، بل واستمرت في استهداف المنشآت والقواعد الأمريكية في الكويت والبحرين والأردن حتى الساعات الأخيرة قبل الهدنة، وفقاً لتقارير البنتاغون ومعهد "ستيمسون".

المفارقة الكبرى تتجلى في قبول واشنطن ببند "عدم التدخل في الشؤون الداخلية"، وهو ما يمثل اعترافاً أمريكياً صريحاً بشرعية النظام الإيراني وبقائه، وتراجعاً كاملاً عن شعار "تغيير النظام" الذي طالما رفعه المحافظون الجدد في واشنطن.

وتشير تحليلات صحيفة "الغارديان" البريطانية وشبكة "PBS" الأمريكية إلى أن الدافع الحقيقي وراء هرولة إدارة ترامب نحو الطاولة الدبلوماسية هو "فيتو الطاقة" الذي أشهرته إيران، وإغلاق مضيق هرمز الذي يمر عبره نحو 20% من إمدادات النفط العالمية، والتهديد الجدي بنقل المعركة إلى مضيق باب المندب بالبحر الأحمر، وضع الاقتصاد العالمي على حافة كارثة حقيقية.

ومع تعديل صندوق النقد الدولي لتوقعات النمو العالمي لعام 2026 هبوطاً من 3.4% إلى 2%، وقفز معدلات التضخم، أدرك البيت الأبيض أن كلفة الاستمرار في الحرب باهظة جداً، حيث لم تكن الخسائر تقتصر على الـ 29 مليار دولار التي أنفقتها واشنطن ككلفة عسكرية مباشرة، بل في استنزاف الهيبة العسكرية الأمريكية بعد إسقاط مروحية "أباتشي" تابعة للجيش الأمريكي فوق المضيق، مما جعل كبار الجنرالات في القيادة المركزية الأمريكية "سينتكوم" يدركون أن حسم المعركة عسكرياً يتطلب حرباً برية واسعة النطاق لا يملك الداخل الأمريكي القدرة ولا الرغبة في تحمل أثمانها.

أكبر الانكسارات السياسية لإدارة ترامب الحالية يكمن في البنية التفاوضية للاتفاق الجديد. فالمذكرة الموقعة فتحت مهلة "60 يوماً" من المفاوضات الفنية المكثفة لحسم الملف النووي ورفع العقوبات؛ وهي ذات الصيغة المرحلية والدبلوماسية التي طالما انتقدها ترامب بمرارة، ووصفها سابقاً بـ "أسوأ اتفاق في التاريخ" بالإشارة إلى الاتفاق النووي الذي وقعته إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما عام 2015.

ورغم انتقاداتها لذلك الاتفاق، تضطر اليوم إدارة ترامب، وتحت وطأة الحاجة لخفض أسعار الوقود وتأمين الملاحة، إلى مناقشة بنود تتضمن الإفراج عن أصول إيرانية مجمدة تتراوح بين 24 إلى 25 مليار دولار، بل والحديث عن صندوق بقيمة 300 مليار دولار لإعادة الإعمار مقابل شروط فنية نووية، وهو ما أثار موجة غضب وتشكيك عارمة داخل الكونغرس ومن صقور الحزب الجمهوري مثل السيناتور ليندسي غراهام الذين اعتبروا أن "إيران حصلت على كل ما تريد".

في المقابل، صاغت طهران مشهد النهاية بما يخدم مصالحها؛ إذ لم تكتفِ بانتزاع الرفع الفوري والحاسم للحصار البحري الأمريكي عن موانئها، بل فرضت أن تشمل التهدئة كافة جبهات حلفائها في المنطقة، وتحديداً في لبنان، لتخرج شبكة نفوذها الإقليمي (محور المقاومة) قائمة ولم يتم تفكيكها كما خططت واشنطن وتل أبيب، وعلاوة على ذلك، فقد أظهرت التسريبات أن إدارة حركة المرور والترتيبات الأمنية المستقبلية في مضيق هرمز ستخضع لترتيبات تشرف عليها إيران بالتنسيق مع سلطنة عُمان، مما يعني تثبيت دور طهران كحارس أوحد للممر المائي الأهم في العالم.

ويؤكد المحللون إن "مذكرة التفاهم" الحالية لم تكن خياراً مفضلاً لواشنطن، بل كانت "تجرعاً للسم الدبلوماسي" هرباً من مستنقع استنزاف اقتصادي وعسكري كاد أن يطيح بالإدارة الأمريكية؛ لتخرج إيران من آتون المواجهة أقوى تفاوضياً، وأكثر تثبيتاً لسيادتها، تاركة الأهداف الأمريكية الكبرى مجرد شعارات تبخرت على أعتاب مضيق هرمز.



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا