آخر الأخبار

عدن : جرح الطفولة النازف يضع العدالة المفقودة على محك "مرحلة الانفراد السعودي بالنفوذ"

شارك

هذه الجريمة الدخيلة على قيم المجتمع اليمني المحافظ لم تكن مجرد سلوك عابر، بل أعادت إلى الأذهان سلسلة من الفجائع المماثلة التي شهدتها مناطق مختلفة في نطاق سيطرة الحكومة الشرعية، ولا سيما مدينتي عدن وتعز، ووثقتها تقارير منظمات أممية ودولية (مثل اليونيسف وهيومن رايتس ووتش)، والتي أكدت مراراً أن أطفال اليمن باتوا الفئة الأكثر هشاشة في ظل غياب الحماية القانونية والمجتمعية، وانهيار المنظومة الرعائية بفعل سنوات الصراع الطويلة.

اقتران الحادثة الأخيرة بأسماء منتسبين للأجهزة الأمنية أعاد إلى الأذهان فوراً مأساة تصفية الشاب "رأفت دنبع" مطلع عام 2019، والذي دفع حياته ثمناً لكشفه جريمة اغتصاب طفل من قبل أفراد قوة أمنية، وهذا الربط التاريخي يثبت، بحسب مراقبين ومحللين سياسيين وحقوقيين، أن هذه الجرائم لم تعد مجرد "حوادث فردية معزولة"، بل هي نتاج مباشر لسياسة ممنهجة وفرتها بنية أمنية شُكلت خارج إطار القانون، وحظيت بحماية وتستر من قيادات عليا في المجلس الانتقالي (المنحل مؤخراً) طيلة السنوات الماضية، حيث تحول السلاح الممول إقليمياً من أداة مفترضة لإنفاذ القانون إلى مظلة لحماية المتورطين في جرائم الانتهاكات الإنسانية، والعنف الجنسي الموجه ضد الأطفال والنساء.

تتجاوز أبعاد هذه الظاهرة حدود الجريمة الجنائية العادية لتلامس مخاطر وجودية تهدد النسيج الاجتماعي؛ فالأبعاد النفسية والاجتماعية المترتبة على استمرار هذه الانتهاكات تؤسس لصدمة مجتمعية مزمنة، وتدفع بالأسر نحو العزلة والخوف المستمر على سلامة أبنائها، وهذا القلق يتضاعف مع تفشي "ثقافة الصمت والوصمة الاجتماعية"؛ إذ تُجبر الكثير من العائلات على التكتم عن الجرائم خوفاً من النظرة المجتمعية، وهو ما يستغله الجناة كدرع غير مرئي لارتكاب المزيد من الفظائع، وعلاوة على ذلك، فإن غياب مراكز الدعم النفسي المتخصصة يترك الأطفال الضحايا دون تأهيل، محولاً معاناتهم إلى شروخ نفسية غائرة تدمر مستقبلهم ومستقبل جيل بأكمله.

ووفقا لمحللين، فإن المسؤولية القانونية والأخلاقية والتاريخية عن استمرار هذه الانتهاكات تقع اليوم على عاتق طرفين رئيسيين، هما المجلس الانتقالي المنحل، ومجلس القيادة وحكومته.. موضحين أن المجلس الانتقالي الجنوبي قيادةً وفصائل، يتحملون المسؤولية المباشرة عن تسليح وتغطية هذه العناصر المارقة، وعن شرعنة نظام أمني موازٍ افتقر للعقيدة الوطنية وحوّل الأحياء السكنية إلى ساحات نفوذ وتصفية حسابات، مع استخدام النفوذ والترهيب لإغلاق ملفات الانتهاكات الأخلاقية وحرمان الضحايا من العدالة عبر التدخل لتسهيل فرار الجناة أو الضغط على أسر الضحايا للقبول بتسويات عشوائية.

وأضاف المحللون أن الحكومة الشرعية بمؤسساتها القضائية والتنفيذية، تتحمل مسؤولية التقاعس الطويل والتهاون في بسط سيادة القانون، والقبول بتمييع القضايا الكبرى تحت لافتة التوازنات السياسية، مما أفقد المواطن ثقته في قدرة الدولة على حمايته وصون عرضه، وجعل مؤسسات المقاضاة تبدو عاجزة عن تطبيق العقوبات الفورية والرادعة.

يأتي هذا الانفجار الشعبي الغاضب في توقيت سياسي بالغ الحساسية من عام 2026، وتحديداً في أعقاب التطورات الكبيرة، التي افضت إلى حل المجلس الانتقالي وإلغاء هيئاته، وبدء مرحلة انتقالية تهدف إلى دمج وتوحيد الفصائل المسلحة تحت مظلة وزارتي الداخلية والدفاع برعاية سعودية،

وهذا المنعطف يجعل من القضية الحالية- وفقا لمراقبين- المحك الحقيقي والمصيري لمصداقية التوجه الجديد؛ فإما أن تنجح مؤسسات الدولة والقضاء في تفعيل "القضاء المستعجل"، وملاحقة الجناة بصفاتهم الجنائية وتجريدهم من أي حمايات سابقة، وإصدار أحكام رادعة وعلنية في ميادين عامة لإعادة الطمأنينة إلى النفوس وتطهير المدن من هذه الظواهر الدخيلة، وإما أن يستمر العجز والتستر، مما يعني بقاء فتيل الاحتقان الشعبي مشتعلاً وقابلاً للانفجار في وجه الجميع لغسل هذا العار الإنساني والأخلاقي.



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا