آخر الأخبار

ترامب يعترف: واشنطن لم تعد قادرة على الحرب

شارك

لقد بدا ترامب خلال زيارته للصين أقل ثقة وأكثر ميلاً إلى البراغماتية القسرية. فالرجل الذي اعتاد تقديم نفسه باعتباره زعيماً قادراً على فرض الإرادة الأمريكية بالقوة الاقتصادية والعسكرية، وجد نفسه مضطراً إلى التراجع عن لغة الحسم تجاه تايوان، وإرسال إشارات واضحة لبكين بأن واشنطن لا تسعى إلى دعم استقلال الجزيرة بصورة مباشرة. هذا التراجع لم يكن نابعاً من قناعة سياسية بقدر ما كان انعكاساً لحقيقة استراتيجية صلبة، هي أن الولايات المتحدة لم تعد تمتلك هامش التفوق المطلق الذي تمتعت به بعد نهاية الحرب الباردة، ولم تعد قادرة على خوض صراعات كبرى متعددة الجبهات بدون أن تدفع أثماناً باهظة تهدد استقرارها الداخلي.

تكشف تصريحات ترامب أيضاً عن أزمة عميقة داخل مفهوم الردع الأمريكي نفسه. فعندما يتحدث رئيس أمريكي عن استحالة خوض حرب تبعد "9500 ميل" عن الأراضي الأمريكية، فإنه يعترف ضمنياً بأن الجغرافيا التي تجاهلتها واشنطن لعقود عادت لتفرض نفسها من جديد. الصين تتحرك داخل محيطها الحيوي المباشر، بينما تعتمد الولايات المتحدة على شبكات إمداد وقواعد عسكرية مترامية أصبحت عرضة للاستنزاف والتعطيل. ومع تصاعد التوترات في الشرق الأوسط، واستمرار الأزمات المرتبطة بإيران ومضيق هرمز، تبدو القدرة الأمريكية على تركيز قوتها في منطقة المحيطين الهندي والهادئ محدودة أكثر من أي وقت مضى.

في هذا السياق، تظهر زيارة بكين وكأنها لحظة اعتراف غير معلن بفشل استراتيجية الاحتواء الأمريكية تجاه الصين. فعلى مدى سنوات، حاولت واشنطن استخدام العقوبات التجارية والحصار التكنولوجي والتحالفات العسكرية، لإبطاء الصعود الصيني ومنع تحوله إلى مركز ثقل عالمي منافس. لكن النتيجة الفعلية كانت عكسية إلى حد بعيد. الصين نجحت في تعزيز استقلالها الصناعي والتكنولوجي، ووسعت نفوذها الاقتصادي عبر آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، بينما أصبحت الولايات المتحدة نفسها أكثر اعتماداً على التفاهمات الاقتصادية مع بكين.

كما أن التردد في ملف تسليح تايوان يكشف حدود الالتزام الأمريكي تجاه الحلفاء والشركاء. فالتصريح بأن حزمة الأسلحة "قد تُعتمد وقد لا تُعتمد" يبعث برسالة ضعف قبل أن يكون رسالة ضغط سياسي. الحلفاء التقليديون لواشنطن باتوا يدركون أنها لم تعد مستعدة لدفع الكلفة الكاملة لحماية النظام الذي أنشأته، وأن أولوياتها الداخلية، خصوصاً الحسابات الانتخابية والاقتصادية، أصبحت تتقدم على الشعارات الكبرى. وهذا ما يفسر تنامي الشكوك داخل أوروبا وآسيا حول موثوقية المظلة الأمريكية في حال اندلاع أزمات كبرى.

الأهم من ذلك أن خطاب ترامب يعكس أزمة داخلية أمريكية تتجاوز شخصه. فالولايات المتحدة تواجه اليوم استنزافاً مزدوجاً، استنزافاً مالياً وعسكرياً نتيجة الحروب الطويلة، واستنزافاً سياسياً ناتجاً عن الانقسام الداخلي وفقدان الإجماع حول دور أمريكا العالمي. لقد تحولت الإمبراطورية الأمريكية من قوة تفرض شروطها على الآخرين إلى دولة تفاوض من أجل الحفاظ على توازنها الاقتصادي الداخلي وتأمين مصالحها التجارية الأساسية. ولذلك لم تعد العلاقة مع الصين تُدار من موقع الهيمنة المطلقة، بل من موقع الحاجة المتبادلة والاعتماد الاقتصادي المعقد.

في المقابل، تبدو الصين أكثر ثباتاً واستراتيجية في إدارة الصراع. فبكين لا تتعامل مع تايوان باعتبارها ملفاً تكتيكياً أو ورقة تفاوض مؤقتة، بل كجزء مركزي من أمنها القومي وهويتها السياسية. لهذا نجح شي جين بينغ في فرض هذا الملف باعتباره "القضية الأهم" خلال المحادثات، واضعاً واشنطن أمام معادلة واضحة، أي تصعيد في قضية تايوان سيقود إلى مواجهة لا ترغب الولايات المتحدة في خوضها فعلياً. وقد بدا ترامب، رغم خطابه الشعبوي المعتاد، مدركاً لهذه الحقيقة، وهو ما يفسر لغة التهدئة الحذرة التي استخدمها بعد اللقاء.

إن ما يحدث اليوم ليس مجرد تغير في أسلوب إدارة السياسة الأمريكية، بل تحول تاريخي في بنية النظام الدولي نفسه. مرحلة الأحادية القطبية التي أعقبت انهيار الاتحاد السوفييتي تتفكك تدريجياً أمام صعود قوى جديدة قادرة على تحدي النفوذ الأمريكي إقليمياً واقتصادياً وعسكرياً. ولم تعد واشنطن قادرة على الجمع بين التفوق العسكري المطلق، والهيمنة الاقتصادية، والاستقرار الداخلي في الوقت نفسه. لذلك يبدو خطاب ترامب انعكاساً لمرحلة انتقالية مؤلمة تعيشها الولايات المتحدة، حيث تحاول التكيف مع واقع دولي لم تعد فيه القوة الأمريكية وحدها كافية لفرض الإرادة السياسية على العالم.



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا