ككل صباح، يذهب الصياد عبدالله، البالغ من العمر 48 عاماً، بعد أن يودع زوجته، وجهته البحر، مصدر رزقه،
وأثناء ممارسته لعمله، تعلق شباك قاربه البسيط في القاع، فينزل لفك عقدتها دون أن يعلم أن المياه التي يعوم فوقها قاربه _ملوثة بأسمدة كيماوية_. يتسلل السم إلى جسده من خلال جرح صغير لم يشعر به بسبب السكري.
ليخرج ويكمل يومه ويعود إلى أبنائه، دون أن يعلم أن _النفايات الكيماوية لم يعد البحر يشبع جوعها فمدت يدها لأبناء هذا البحر_.
قصة عبدالله ليست الأولى ولا الأخيرة. هي حالة من بين آلاف الحالات. ففي فبراير 2024، أغرقت الصواريخ سفينة _Rubymar_ قبالة سواحل اليمن، وكانت محملة بـ _21,000 طن من السماد الكيماوي و200 طن من الوقود_. وكالة حماية البيئة اليمنية حذرت من "تلوث مزدوج" سيقتل الأسماك والشعاب المرجانية، ويهدد نصف مليون إنسان يعيشون على الصيد.
بينما العالم يحمي... اليمن تُصاب
أغلب دول العالم تسعى لحماية بيئتها؛ فهناك من يزرع الأشجار، ومن يمنع استعمال البلاستيك، والآخر يقوم باستخدام الطاقات البديلة، لا سيما مع وجود القوانين الصارمة التي تمنع رمي المخلفات بمختلف أصنافها في البحر، كي تتمركز في الصفوف الأولى بكونها دولاً صديقة للبيئة. بينما في اليمن، حماية البيئة ثقافة شبه منعدمة عند الحكومة والمواطنين، تراها ليست في جدول الأولويات. فاليمن بلادٌ أنهكتها الحرب والصراعات، فالمواطن اليمني يهتم بسعر الرغيف والبترول وارتفاع ونزول سعر الصرف، ويركز على ما يجعله يعيش هذه الأيام دون الاهتمام بالغد.
قوانين صامتة في واقع فوضوي
والواقع المر هو أن اليمن لا تعاني من عدم وجود القوانين، فهنالك قانون حماية البيئة وقانون حماية البيئة البحرية والساحلية، وتوقيع اتفاقية ماربول التي تمنع رمي البلاستيك في البحر وتصريف الزيوت إلا في مرافق مخصصة لها. إلا أن هذه القوانين بمثابة كتابة على الهواء، لا نرى لها أي تطبيق وأثر فعلي في الحياة الواقعية.
ناقوس الموت
مستشار وزارة الثروة السمكية نادر باوزيز حذر من تكرار ملامح التلوث، ومن تسرب المواد النفطية وتأثيرها على أدوات الصيادين التي يعمل بها عشرات آلاف اليمنيين. وأضاف أن "السواحل الجنوبية لليمن وسواحل السعودية وعُمان وجيبوتي والصومال معرضة للتلوث، نظراً إلى أن الرياح يمكن أن تنقل هذا التلوث بين الدول المجاورة".
ووجود هذه المواد الكيميائية ليس السبب الوحيد في تلوث مياه البحر، فهنالك مجاري الصرف الصحي التي يتم إطلاقها في البحار دون معالجتها، ووجود عشرات السفن التي تركها أصحابها بعد أن تعطلت لتغرق وتسبب تلوثاً آخر. كما أننا نجد عند تجولنا على الشاطئ الأكياس البلاستيكية والزجاج متوزعة على طول الساحل.
تمدد وانتشار
ولا تكتفي مظاهر التلوث بالمكوث في البحار، إنما تتوزع حتى على اليابسة، فتزين مخلفات الصرف الصحي والنفايات الأحياء السكنية، حيث يتحمل السكان أعباء الروائح الكريهة والحشرات المتطايرة، هذا غير الأمراض التي تسببها هذه النفايات، منها الملاريا وحمى الضنك وغيرها. ولا ننسى أن حرق هذه النفايات، وخاصة المواد البلاستيكية والطبية، يسبب أمراضاً سرطانية على المدى البعيد. حيث أفاد برنامج الأمم المتحدة الإنمائي بأن حوالي 65% من نفايات اليمن عضوية، و10% بلاستيكية، و7% ورق، و6% معادن، و1% زجاج.
سمٌّ في قضمة
وعند التركيز على الإنتاج الزراعي نجده ليس في معزل عن هذا التلوث، حيث إن المبيدات المستخدمة بكميات كبيرة وبطرق عشوائية تؤدي إلى إبادة كل كائن حي، بما في ذلك التربة نفسها.
هلال الجشاري، خبير زراعي ومسؤول سابق في وزارة الزراعة اليمنية، أكد أن استخدام المبيدات يرتبط بأمراض كالسرطان والزهايمر والاضطرابات الهرمونية واضطرابات النمو والعُقم، وإن لها آثاراً على الجهاز العصبي كفقدان الذاكرة. كما أن "المبيدات الكيماوية صارت مشكلةً وتشكل خطورةً على الزراعة والمزارع والمستهلك، أكثر بكثير من الآفات والأمراض النباتية"، إذ تؤدي لقتل الحشرات النافعة والأعداء الحيوية للآفات.
ولندرك أن الأمر أكثر خطورة مما يبدو عليه، فحماية البيئة ليست ترفاً، إنما متطلب يحمي من مستقبل يهدد بالانفجار ويتوعد بالموت البطيء.
معاناة عقيمة
وبرغم وجود اسم اليمن في سجلات الاتفاقيات البيئية الدولية، وإشارتها لأهمية حماية البيئة ومواردها الطبيعية، إلا أن هذا الكلام يتبخر عندما نبحث عن تطبيقه. فتُعد اليمن من الدول التي تعاني من ندرة المياه، وهذا كونها تعتمد على المياه الجوفية بشكل رئيسي، واستخدامها المفرط ينذر بنضوب معظمها، إضافة إلى تغير المناخ وارتفاع معدلات الجفاف وقلة نزول الأمطار.
الأمر الذي يجعل التصحر فزاعة تغزو أراضيها، فشحّت المياه، وتزاحم السكان، وإقامة مبانٍ على حساب هذه الأراضي الزراعية، أدى إلى تقهقر الأراضي الزراعية.
تباين نباتي يحتضر
ومن المتعارف عليه أن الأراضي اليمنية هي أرض التنوع والندرة، حيث نلاحظ تنوع نظامها البيئي من نباتات وحيوانات. فاشتهار اليمن بالزراعة جعل غطاءه النباتي يتسم بالثراء والتباين، لكن الأمر لن يطول، فيوماً بعد يوم تذبل هذه النباتات وتُهدد بالانقراض.
وأثبتت تقارير رسمية أن أعداد وأنواع النباتات بلغت 3000 نوع، منها 850 نوعاً في جزيرة سقطرى وحدها. وتضم هذه النباتات أصنافاً طبية وعطرية وغذائية.
بين العلاج والاختناق
كانت النباتات الطبية بمثابة صيدلية الشعب منذ قرون، وتمثل مركزاً للعلاج الشعبي، ومنها: العُقيس، الحلبة، دم الأخوين، والمُر
والصبار السقطري.
في حين أن النباتات العطرية كـ اللُبان الذكر و الفل والكاذي والشذاب، التي كانت تغزو الأعراس والمناسبات بعطرها، اليوم تموت يوماً بعد يوم. تلاحقها فزاعة التصحر ومشاريع البناء العشوائي، فتختنق بصمت دون السماح لعبيرها بالانتشار.
بين الهدر والنحر
وبالنسبة للحيوانات، فهنالك أنواع نادرة كـ *الوعل النوبي*، و*الغزال العربي*، و*الوطواط السقطري*، و*قط الزباد*، و*النمر العربي*.
هذه الكائنات تُهدد اليوم بالانقراض، ليس من أجل الجوع أو سد الرمق، إنما لغرض تعليق رؤوسها على مداخل البيوت كزينة، ومسابقات عبثية ترتفع فيها رايات التفاخر عند قتل أكبر عدد ممكن.
ما يقع على عاتقنا
حماية البيئة ليست سطوراً تُكتب وتُنسى في ركن بعيد. هي قضية أعمق من أن يُرمى الاتهام فيها على طرف دون الآخر. الجميع شريك في الضرر، حكومةً كان أم مواطناً.
حين تموت الأسماك، وتنقرض الحيوانات، ويزحف التصحر، يصبح كلاهما مديناً لهذه الأرض. ولا بد من تصحيح الوضع قبل أن تُعلن الأرض عن موتها.
المصدر:
عدن الغد