هذا الصمت لم يكن يوماً حياداً، بل هو نتاج تفاهم سياسي عميق يعود إلى عهد الرئيس الأمريكي نيكسون واتفاقه غير المعلن عام 1969 مع رئيسة وزراء إسرائيل جولدا مائير، والذي أرسى قاعدة الغموض المتعمد كغطاء دبلوماسي يتيح لواشنطن التهرب من التزاماتها القانونية والأخلاقية في ملف منع الانتشار. وبموجب هذا الترتيب، لم تكن الولايات المتحدة مجرد طرف صامت، بل شريك فعلي في ترسيخ واقع استثنائي يمنح إسرائيل حصانة غير معلنة، ويُفرغ الخطاب الأمريكي حول القوانين الدولية من مضمونه ويضعف مصداقيتها.
في المقابل، تتبنى الولايات المتحدة موقفاً متشدداً إلى حد المواجهة مع إيران، حيث تستخدم كل أدوات الضغط السياسي والاقتصادي، بل والعسكري، لمنعها من امتلاك قدرات نووية. هذا التباين لا يمكن تفسيره فقط باعتبارات الأمن أو التحالفات، بل يكشف عن ازدواجية في المعايير، حيث تتحول المبادئ إلى أدوات انتقائية تُطبّق على الخصوم وتُعطّل عند الحلفاء. وهنا تتجلى المفارقة الأكثر وضوحاً، حيث تعاقب دولة يُشتبه بسعيها لامتلاك سلاح نووي وتُحاصر، تمتلك فعلياً ترسانة نووية ومع ذلك تُحاط بالصمت والحماية السياسية.
الرسالة التي خرجت من داخل الكونغرس لا تعني بالضرورة أن هذا الواقع سيتغير قريباً، لكنها تكشف عن تصدع أحد أكثر الملفات حساسية داخلها. وهي بداية نقاش كان مغلقاً ومحظوراً لعقود، وعن تزايد الأصوات التي ترى أن الاستمرار في هذا النهج يضر بمصداقية الولايات المتحدة عالمياً. فكيف يمكن لدولة أن تقود نظام منع الانتشار وهي تتجاهل أحد أبرز خروقاته؟ وكيف يمكن إقناع العالم بعدالة هذا النظام بينما تتكشف جلياً الاستثناءات السياسية ويتم الاستخفاف بالقواعد والقوانين؟
هذه الخطوة ربما لن تغيّر شيئاً، لكنها تفضح وتُسلّط الضوء على علاقة غير متوازنة بين واشنطن وتل أبيب، حيث تبدو الولايات المتحدة في موقع المدافع عن سياسات لا تستطيع حتى الاعتراف بها علناً. وبينما قد يحاول البعض تبرير ذلك بلغة المصالح الاستراتيجية، تبقى النتيجة العملية واحدة، تتمثل في نظام دولي يُفترض أنه قائم على قواعد، لكنه يُدار في الواقع بمنطق القوة والتحالفات، حيث تُمنح الشرعية لطرف وتُسحب من آخر وفقاً لموقعه لا لسلوكه.
المصدر:
البوابة الإخبارية اليمنية