لم تكن الحادثة التي استهدفت محافظ محافظة الضالع، اللواء أحمد قائد القبة، مجرد واقعة أمنية عابرة يمكن إدراجها ضمن سجل الاختلالات اليومية التي تعيشها البلاد، بل بدت وكأنها انعكاس مكثف لصراع أعمق يدور في كواليس المشهد اليمني، صراع بين مشروعين متناقضين: مشروع يسعى لإعادة بناء الدولة وترميم مؤسساتها، وآخر يعمل على إبقاء حالة الفوضى قائمة، لما تتيحه من فرص للنفوذ والهيمنة وتحقيق المكاسب بعيدًا عن أي رقابة أو مساءلة. هذه الحادثة تفتح الباب أمام تساؤلات واسعة حول طبيعة القوى التي تتحرك في الظل، ولماذا تُستهدف القيادات المحلية التي تحاول تحريك المياه الراكدة في المحافظات.
منذ سنوات، تشكلت في مختلف المحافظات مراكز قوى غير رسمية، تتوزع بين شبكات مصالح اقتصادية، ونفوذ قبلي، وأذرع مسلحة، وحتى مجموعات مرتبطة بالفساد الإداري. هذه المراكز لم تنشأ في فراغ، بل تغذت على حالة الضعف التي أصابت مؤسسات الدولة، وعلى غياب الرقابة المركزية، وانشغال القيادات العليا بصراعات سياسية أوسع. ومع مرور الوقت، تحولت هذه الكيانات إلى سلطات موازية، تمتلك القدرة على التأثير في القرار المحلي، وعرقلة أي توجه لا يخدم مصالحها، بل وتذهب أحيانًا إلى أبعد من ذلك عبر استخدام القوة لفرض إرادتها.
ما يحدث اليوم في الضالع، وفي غيرها من المحافظات، يكشف أن أي محاولة جادة للإصلاح، خصوصًا تلك التي تستهدف منابع الفساد أو تعيد ترتيب الأولويات لصالح المواطن، تُقابل برد فعل عنيف من هذه المراكز. فالإصلاح بالنسبة لها لا يعني تحسين الخدمات أو تعزيز الأمن، بل يعني تهديدًا مباشرًا لمصادر دخلها ونفوذها. وعليه، فإن استهداف المحافظين أو الضغط عليهم أو تشويه جهودهم إعلاميًا، يصبح جزءًا من استراتيجية أوسع تهدف إلى إجهاض أي تغيير قبل أن يترسخ.
وفي هذا السياق، يمكن قراءة الحادثة التي تعرض لها محافظ الضالع باعتبارها رسالة مزدوجة: الأولى موجهة له شخصيًا، مفادها أن هناك خطوطًا لا يجب تجاوزها، والثانية موجهة لبقية المحافظين في مختلف المحافظات، بأن أي تحرك خارج حدود التوازنات القائمة قد يواجه بردود فعل مماثلة. هذه الرسائل، وإن بدت قاسية، إلا أنها تعكس حجم التحديات التي تواجه أي مسؤول يحاول العمل خارج منظومة المصالح التقليدية.
لكن في مقابل هذه التحديات، يبرز عامل حاسم قد يغير المعادلة، وهو الموقف الشعبي. فالتجارب أثبتت أن مراكز القوى، رغم امتلاكها للمال والسلاح والنفوذ، تبقى هشة أمام إرادة شعبية واضحة ومتماسكة. عندما يدرك المواطن أن استقرار حياته اليومية مرتبط بنجاح هذه الجهود الإصلاحية، يصبح من الطبيعي أن ينحاز لها ويدافع عنها، ليس فقط عبر التعبير عن الرأي، بل من خلال خلق بيئة داعمة تحصّن هذه القيادات من الضغوط.
إن الوقوف إلى جانب المحافظين الذين يسعون للإصلاح لا يجب أن يُفهم باعتباره تأييدًا أشخاص، بل هو في جوهره دعم لفكرة الدولة نفسها. فالدولة لا تُبنى بالشعارات، بل عبر مؤسسات تعمل، وقيادات قادرة على اتخاذ قرارات صعبة، ومجتمع مستعد لتحمل كلفة التغيير. وفي ظل هذا الفهم، يتحول المواطن من متلقٍ سلبي للخدمات إلى شريك فعلي في عملية البناء، يراقب، ويحاسب، ويدعم في الوقت نفسه.
كما أن الدور الإعلامي في هذه المرحلة يكتسب أهمية مضاعفة، فالإعلام ليس مجرد ناقل للأحداث، بل هو فاعل رئيسي في تشكيل الوعي العام. وعندما يتبنى خطابًا مهنيًا يسلط الضوء على محاولات الإصلاح، ويكشف في الوقت ذاته أساليب التعطيل والتشويه، فإنه يسهم في خلق رأي عام واعٍ، قادر على التمييز بين من يعمل لصالحه ومن يعمل ضده. وهذا ما يجعل من المعركة الإعلامية جزءًا لا يتجزأ من معركة بناء الدولة.
ولا يمكن إغفال أن نجاح أي تجربة إصلاحية في محافظة معينة قد يشكل نموذجًا قابلًا للتكرار في محافظات أخرى، وهو ما تخشاه مراكز القوى، لأنها تدرك أن انتشار هذه النماذج يعني تضييق الخناق عليها تدريجيًا. لذلك، فإن إفشال التجارب في بدايتها يُعد أولوية بالنسبة لها، حتى لا تتحول إلى حالة عامة يصعب احتواؤها لاحقًا.
في المحصلة، تبدو البلاد اليوم أمام مفترق طرق حقيقي: إما الاستمرار في الدوران داخل دائرة النفوذ والفوضى، حيث تتقاسم مراكز القوى القرار وتبقى معاناة الناس مستمرة، أو الانحياز لمشروع الدولة، بكل ما يحمله من تحديات وصعوبات، لكنه في النهاية يفتح الباب أمام استقرار حقيقي وتنمية مستدامة. وبين هذين الخيارين، لا يقف المواطن على الحياد، بل هو العنصر الحاسم في ترجيح كفة على أخرى.
إن ما حدث في الضالع يجب أن يُقرأ كإنذار مبكر، لا كحادثة معزولة، إنذار بأن معركة الإصلاح لن تكون سهلة، لكنها في الوقت ذاته ليست مستحيلة. ومع تزايد الوعي الشعبي، وتكامل الجهود بين القيادات المحلية والإعلام والمجتمع، يمكن تحويل هذه التحديات إلى فرصة لإعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع، على أسس أكثر صلابة وعدالة.
المصدر:
عدن الغد