بعد مرور نحو شهرين على تشكيل الحكومة برئاسة الدكتور شايع محسن، لم يعد الشارع اليمني يتحدث عن “فترة تأسيس” أو “بداية عمل”، بل انتقل إلى مرحلة أكثر وضوحاً وحدّة: التقييم والمساءلة. فالمواطن الذي يواجه يومياً أزمات متراكمة، من تأخر الرواتب إلى ارتفاع أسعار الوقود وانهيار القدرة الشرائية، لم يعد يرى في الصور والاجتماعات بديلاً عن الفعل الحقيقي على الأرض.
المشهد كما يبدو للناس لا يحتاج إلى تفسير معقد. نشاط رسمي مكثف، لقاءات، اجتماعات، بيانات، وصور تُنشر بشكل متكرر، لكن دون انعكاس ملموس على الواقع. في المقابل، حياة يومية تزداد صعوبة، حيث ترتفع الأسعار بوتيرة متسارعة، وتتآكل قيمة الرواتب، وتستمر الخدمات في التراجع، وكأن هناك مسارين منفصلين: مسار رسمي يدور في القاعات، وآخر شعبي ينهار في الشارع.
الدولة، في معناها الحقيقي، ليست حضوراً إعلامياً ولا جدول اجتماعات مزدحماً، بل قدرة على التأثير في حياة الناس. وعندما يغيب هذا التأثير، تصبح كل الأنشطة الأخرى بلا معنى. فالمواطن لا يقيس الأداء بعدد الاجتماعات، بل بما تغير في حياته: هل انخفضت الأسعار؟ هل انتظمت الرواتب؟ هل تحسنت الخدمات؟
اليوم، الإجابة لدى كثير من الناس واحدة: لا شيء تغيّر.
الضغط الاقتصادي بلغ مرحلة غير مسبوقة. رفع أسعار الوقود لم يكن مجرد قرار مالي، بل كان شرارة لموجة غلاء واسعة طالت كل شيء. النقل ارتفع، أسعار الغذاء تضاعفت، كلفة الخدمات زادت، بينما بقي الدخل ثابتاً أو غائباً في حالات كثيرة. هذه المعادلة خلقت حالة اختناق اقتصادي حقيقي، حيث تتآكل القدرة على العيش يوماً بعد يوم.
في الوقت نفسه، تأخر الرواتب لم يعد مجرد إشكالية إدارية، بل أصبح أزمة معيشية خانقة. آلاف الأسر تعتمد بشكل كامل على هذه الرواتب، وعندما تتأخر، تدخل في دوامة من الديون والعجز، في وقت ترتفع فيه تكاليف الحياة بشكل غير مسبوق. وهنا تتجسد الأزمة بشكلها الأوضح: دخل غير منتظم، مقابل نفقات متصاعدة بلا سقف.
اقتصادياً، ما يحدث يتجاوز كونه أزمة مؤقتة، ليتحول إلى حالة من الركود العميق. تراجع السيولة في الأسواق بسبب تأخر الرواتب، بالتزامن مع ارتفاع الأسعار، أدى إلى شلل نسبي في الحركة التجارية. المواطن يشتري بالحد الأدنى، والتاجر يعاني من ضعف الإقبال، والخدمات تتراجع تحت ضغط التكاليف، لتتشكل دائرة مغلقة من التدهور يصعب كسرها دون تدخل حقيقي.
الأخطر من ذلك أن استمرار هذا الوضع لا يهدد الاقتصاد فقط، بل يضرب أساس الاستقرار الاجتماعي. عندما يعجز الناس عن تلبية احتياجاتهم الأساسية، تتصاعد التوترات، وتتراجع الثقة، ويبدأ البحث عن بدائل خارج إطار الدولة. وهذه ليست فرضيات، بل مسارات شهدتها بلدان كثيرة في ظروف مشابهة.
في هذا السياق، لم يعد مقبولاً أن تستمر الحكومة في نمط الأداء الحالي. لأن إدارة الأزمة بالاجتماعات لم تعد كافية، بل أصبحت جزءاً من المشكلة. المطلوب اليوم هو انتقال حقيقي من الحضور الشكلي إلى الفعل الميداني، ومن البيانات إلى القرارات، ومن التخطيط إلى التنفيذ.
الملفات واضحة ولا تحتمل التأجيل. الرواتب يجب أن تُصرف بانتظام، لأن تأخيرها يهدد استقرار المجتمع بأكمله. أسعار الوقود تحتاج إلى معالجة متوازنة، لأن استمرار ارتفاعها دون تدخل سيقود إلى موجات تضخم لا يمكن السيطرة عليها. الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء، لم تعد قضية رفاهية، بل ضرورة يومية لا يمكن تجاهلها.
لكن المشكلة لا تقف عند غياب الحلول فقط، بل في غياب الجرأة لتنفيذها. فالإصلاح الحقيقي يتطلب مواجهة مباشرة مع مواطن الفشل والفساد، ويتطلب قرارات صعبة، لا مجرد إدارة هادئة للأزمة. وهنا يكمن الاختبار الحقيقي لحكومة الدكتور شايع محسن: هل تملك القدرة والإرادة للانتقال إلى هذا المستوى من الفعل؟
الشارع اليوم لا يطلب المستحيل، لكنه أيضاً لم يعد يقبل الحد الأدنى من الأداء. الرسالة باتت واضحة: كفى صوراً، كفى اجتماعات، كفى بيانات. الناس تريد دولة تُرى في الشارع، لا حكومة تُرى في الكاميرات.
بعد شهرين، لا يزال الوقت متاحاً لتصحيح المسار، لكن هذا يتطلب تحركاً سريعاً وجاداً. لأن كل يوم تأخير لا يعني فقط استمرار المعاناة، بل يعني أيضاً تآكل ما تبقى من ثقة بين المواطن والدولة.
في النهاية، تقف الحكومة أمام معادلة حاسمة: إما أن تتحول إلى قوة فعل حقيقية على الأرض، تستجيب لمعاناة الناس وتخففها، أو أن تستمر في دائرة الأداء الشكلي، لتتحول تدريجياً إلى عبء إضافي على واقع منهك أصلاً. وفي بلد مثل اليمن، لم يعد هناك هامش واسع للانتظار.
المصدر:
عدن الغد