آخر الأخبار

دبلوماسية "حافة الهاوية" ..  كيف أجبرت طهران ترامب على "هدنة لبنان" ؟

شارك

هذه الهدنة التي نجحت إيران في فرضها على كل من أمريكا وإسرائيل، كسرت أفق التوقعات، حيث أنه قبل أيام قليلة، بدا أن المنطقة تتجه نحو انفجار شامل بعد إعلان إدارة ترامب عن "حصار بحري" مشدد يهدف إلى خنق الصادرات الإيرانية ومنع وصول الإمدادات لحلفائه، إلا أن الرد الإيراني اتسم بالذكاء الاستراتيجي؛ حيث لم تكتفِ طهران بالصمود، بل نقلت المعركة إلى الممرات الملاحية الدولية، مما جعل تكلفة الحصار الأمريكي باهظة على الاقتصاد العالمي.

القفزة الجنونية في أسعار الطاقة والاضطرابات التي شهدتها خطوط الملاحة في مضيق هرمز وباب المندب، أثبتت لواشنطن أن إيران تمتلك القدرة على تعطيل "شرايين العالم" إذا ما تعرضت أمنها القومي للخطر، وهذا الواقع الميداني هو ما دفع ترامب، المعروف ببراغماتيته الاقتصادية، إلى استبدال لغة التهديد العسكري بلغة "الصفقات"، معلناً عن هدنة تبدأ اليوم، واصفاً إياها بأنها خطوة نحو "سلام دائم".

الدلالة الأبرز في هذا الاتفاق هي نجاح إيران في فرض معادلة "وحدة الساحات" على المستوى الدبلوماسي. فبينما كانت الولايات المتحدة تسعى لفصل الملف اللبناني عن الصراع الإقليمي مع إيران، جاءت الهدنة لتشمل لبنان بوضوح، مما يعني فشل محاولات عزل حزب الله أو استفراد واشنطن بالساحة اللبنانية بعيداً عن نفوذ طهران، فقد نجحت طهران في إيصال رسالة مفادها أن استقرار المنطقة كلٌّ لا يتجزأ، وأن "مفتاح" الهدوء في بيروت والجنوب يمر حتماً عبر التفاهم مع القيادة الإيرانية. هذا النجاح يأتي بعد فترة وجيزة من أزمات دبلوماسية حادة، ليعيد تثبيت إيران كلاعب محوري لا يمكن تجاوزه في أي ترتيبات أمنية مستقبلية.

على الجانب الآخر، يعكس موقف ترامب اليوم تحولاً من "الوعيد" إلى "التفاوض تحت الضغط"، فتكليفه لنائبه جي دي فانس ووزير خارجيته ماركو روبيو بالإشراف المباشر على استدامة الهدنة، يعكس رغبته في تحقيق "إنجاز سريع" يخرجه من مأزق التصعيد الذي بدأ يهدد وعوده الانتخابية بالاستقرار الاقتصادي، كما أن وصف ترامب للقيادة الإيرانية بأنها باتت "أكثر عقلانية" هو في الحقيقة اعتراف بأن "القوة الخشنة" الإيرانية هي التي فرضت هذا النوع من العقلانية التفاوضية.

تعتبر الهدنة التي بدأت مساء الخميس فترة اختبار قاسية لجميع الأطراف، فبينما تحاول إيران استثمار هذا النجاح لرفع العقوبات وتأمين دور حلفائها، تسعى واشنطن لجس نبض طهران قبل الدخول في تفاصيل أي اتفاق قادم.

ويرى محللون أن ما حدث ليس مجرد وقف لإطلاق النار في قرى جنوب لبنان أو ضواحي بيروت، بل هو إعلان عن فشل "عصر الإملاءات" الأمريكي وبداية مرحلة "التفاوض بين الأنداد". مشيرين إلى أن إيران استطاعت، عبر مزيج من الصمود العسكري والمناورة الدبلوماسية، أن تجبر القوة العظمى على العودة إلى الطاولة، محولةً الحصار إلى فرصة لإعادة صياغة النظام الإقليمي من منظور "السيادة والمقاومة".

ويتوقع المحللون أن الأسبوع القادم في إسلام آباد لن يكون مجرد جولة مفاوضات بين أمريكا وإيران، بل سيكون الإعلان الرسمي عن موازين القوى الجديدة في "الشرق الأوسط"، والتي ستمثل نهاية الهيمنة الأمريكية التي ظلت لعقود المتحكمة في المنطقة .



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا