من الناحية الاستراتيجية، تسعى السعودية منذ عقود إلى إيجاد منفذ بديل لصادراتها النفطية بعيداً عن مضيق هرمز، الذي يمثل نقطة اختناق جيوسياسية يمكن أن تتعرض للإغلاق أو التهديد في حال تصاعد التوترات الإقليمية، كما هو حاصل الآن بسبب الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران التي أغلقت المضيق كحق سيادي. لذلك، تبدو المهرة خياراً مثالياً، إذ توفر منفذاً مباشراً إلى المحيط الهندي بدون المرور بالمياه الخليجية الحساسة. غير أن هذا الطموح لم يكن يوماً مشروعاً اقتصادياً بحتاً، بل ارتبط دائماً بأبعاد سيادية وأمنية معقدة.
وفقاً اما سبق، فإن جوهر الخلاف لا يكمن في مبدأ المشروع، بل في طبيعته القانونية والسيادية. فاليمن، بحسب هذا الطرح، لم يرفض فكرة مرور الأنبوب، بل طالب بأن يتم ذلك وفق الأعراف الدولية التي تضمن سيادة الدولة المضيفة، بما في ذلك فرض رسوم عبور وتنظيم الوجود على أراضيها. في المقابل، يُقال إن الطرح السعودي تجاوز هذا الإطار، ليصل إلى المطالبة بما يشبه "ممر سيادي"، وهو ما يعني فعلياً انتزاع السيطرة اليمنية على شريط جغرافي يمتد عبر المهرة وربما حضرموت، حسب تصريح للقيادي في حركة أنصار الله محمد البخيتي.
هذا النوع من الطروحات يضع المشروع في خانة مختلفة تماماً، حيث يتحول من تعاون اقتصادي إلى محاولة لإعادة رسم الحدود الفعلية للسيادة. وهنا تكمن حساسية الملف، إذ أن أي تنازل من هذا النوع يُنظر إليه داخلياً باعتباره مساساً بوحدة الأراضي اليمنية، وهو أمر يواجه رفضاً واسعاً من مختلف الأطياف السياسية والاجتماعية.
تاريخياً، لم تكن هذه الفكرة وليدة اللحظة، بل طُرحت منذ عقود، خاصة في ظل أنظمة سياسية كانت أكثر مرونة في التعامل مع الضغوط الإقليمية. إلا أن التحولات التي شهدها اليمن، خاصة بعد 2015، أعادت تعريف مفهوم السيادة الوطنية لدى مختلف القوى، وجعلت من الصعب تمرير مشاريع يُنظر إليها على أنها انتقاص من الاستقلال الوطني.
في هذا الإطار، يمكن فهم الحضور العسكري والسياسي السعودي في المهرة على أنه يتجاوز الأهداف الأمنية المعلنة، ليرتبط بمحاولة تهيئة الأرضية لمثل هذا المشروع. غير أن هذا الحضور واجه رفضاً محلياً متزايداً، تجسد في احتجاجات شعبية ومواقف قبلية رافضة لأي وجود خارجي يُنظر إليه كمدخل لتغيير الواقع السيادي للمحافظة.
أما فشل المشروع حتى الآن، فيعود إلى عدة عوامل متداخلة. أولها الرفض الشعبي اليمني لأي تنازل عن الأرض، وهو عامل حاسم في بيئة قبلية ومجتمعية حساسة تجاه قضايا السيادة. وثانيها الانقسام السياسي، الذي يجعل أي اتفاق عرضة للطعن وعدم الشرعية. وثالثها التعقيدات الإقليمية والدولية، حيث لا يمكن تمرير مشروع بهذا الحجم بدون توافقات أوسع، تبدو غير متوفرة حتى الآن.
في المحصلة، يتجاوز مشروع أنبوب النفط كونه مجرد بنية تحتية للطاقة، ليصبح اختباراً حقيقياً لمفهوم السيادة في اليمن، ولحدود النفوذ الإقليمي في المنطقة. وبينما تستمر السعودية في البحث عن منافذ بديلة لتأمين صادراتها النفطية، يبدو أن تحقيق هذا الهدف عبر المهرة سيظل رهناً بمعادلة معقدة، يصعب فيها تجاوز الإرادة المحلية أو إعادة تشكيل الجغرافيا السياسية بدون تكلفة باهظة.
المصدر:
البوابة الإخبارية اليمنية