ووقفا لمحللين فإن استحالة هذا الحصار، تستند ابتداءً إلى الواقع الميداني في مضيق هرمز، حيث لا تعتبر السيطرة الإيرانية هناك مجرد ادعاء سياسي، بل هي حقيقة تفرضها الجغرافيا والترسانة العسكرية النوعية، فإيران التي تتحكم في الممرات الملاحية الضيقة للمضيق عبر جزرها المحصنة، تمتلك القدرة على تحويل أي محاولة لإغلاق موانئها إلى كارثة عالمية.
وتبرز المفارقة الصارخة في محاولة ترامب الهروب من شبح الهزيمة الميدانية نحو الحصار البحري، حيث تكمن هذه المفارقة في أن المتضرر الأول من أي توتر عسكري في هذا الشريان المائي لن يكون الداخل الإيراني فحسب، بل دول الخليج العربية الحليفة لواشنطن. فهذه الدول تعتمد كلياً على المضيق لتصدير طاقتها واستيراد احتياجاتها الأساسية، وأي حصار سيؤدي حتماً إلى رد فعل إيراني مضاد يشل حركة الملاحة، مما يعني أن واشنطن، من حيث تريد الضغط على طهران، ستتسبب في انهيار اقتصادي وأمني لأقرب شركائها في المنطقة، وهو ثمن باهظ لا يبدو أن العواصم الخليجية مستعدة لدفعه.
وعلى الصعيد الدولي، برزت الصين كحائط صد منيع أمام الطموحات الأمريكية، حيث جاءت تصريحات وزير الدفاع الصيني الأدميرال "دونغ جون" لتغير قواعد الاشتباك السياسي، حيث أكد الوزير الصيني على أن سفن بلاده تدخل وتخرج من مضيق هرمز تحت السيطرة الإيرانية المفتوحة لهم، وه ما يمثل اعترافاً صينياً صريحاً بسيادة طهران على المضيق وتفنيداً للزعم الأمريكي بالقدرة على التحكم فيه. ولم تتوقف دلالات تصريحات وزير الدفاع الصيني- بحسب محللين- عند الاعتراف بالسيادة الإيرانية على المضيق، بل حمل التصريح تهديداً مبطناً مفاده أن بكين ملتزمة باتفاقيات الطاقة مع إيران ولن تسمح للآخرين بالتدخل في شؤونها.
ويرى محللون أن هذا الموقف الصيني يرفع سقف المواجهة؛ فمنع النفط الإيراني عن المصانع الصينية سيعتبر في عرف بكين "حرباً اقتصادية" مباشرة، مما قد يدفع التنين الصيني للتدخل لحماية ناقلاته، وهو ما يحول الحصار من أداة ضغط إقليمية إلى فتيل لمواجهة كونية بين القوى العظمى.. وعلاوة على ذلك، فإن التجربة الميدانية الأخيرة تعزز الرؤية القائلة بأن ما فشلت فيه القوة البرية والجوية لن يحققه الحصار البحري، فخلال أكثر من أربعين يوماً من التصعيد العسكري المكثف، فشلت الولايات المتحدة وإسرائيل في كسر الإرادة الإيرانية أو تحقيق أهداف استراتيجية حاسمة، مما يؤكد تآكل فاعلية أدوات الردع التقليدية أمام استراتيجية "الدفاع النشط" التي تنتهجها طهران.
ومع امتلاك إيران لسواحل شاسعة تمتد لـ 2800 كيلومتر، تصبح فكرة إطباق الحصار ضرباً من الخيال العسكري؛ إذ تتطلب مراقبة هذه المساحات الهائلة عدداً من القطع البحرية يتجاوز قدرة الأسطول الأمريكي على الانتشار المستدام، خاصة في ظل وجود "حرب الزوارق السريعة" والمسيرات التي تجعل بقاء السفن الكبيرة في حالة ثبات بمثابة استنزاف انتحاري.
ويرى المحللون أنه وبالنظر إلى جميع تلك المعطيات، فإن المرجح هو أن مشروع ترامب للحصار البحري يصطدم بجدار صلب من المصالح الدولية والتعقيدات الجغرافية، خاصة وأن إيران ليست دولة معزولة يمكن خنقها دون أثر رجعي، بل هي جزء من معادلة طاقة عالمية تقف الصين على رأس المستفيدين منها.. مؤكدين أن الإصرار الأمريكي على فرض هذا الحصار سيعني بالضرورة التضحية باستقرار دول الخليج والدخول في صدام وجودي مع الصين، وهو ما يجعل من تصريحات ترامب مجرد شعارات سياسية تصطدم بحقيقة أن "مفاتيح" هرمز لا تزال في يد طهران، وأن العالم ليس مستعداً بعد لدفع ثمن مغامرة بحرية غير مأمونة العواقب.
المصدر:
البوابة الإخبارية اليمنية