التجارب التي يُستشهد بها عادة، مثل العراق أو ليبيا، لا يمكن إسقاطها بسهولة على الحالة الإيرانية. تلك الحالات اتسمت بضعف داخلي أو عزلة دولية حادة، في حين أن إيران تتمتع بعمق جغرافي كبير وبنية مؤسساتية أكثر تماسكاً، إلى جانب قدرات عسكرية متراكمة تسمح لها بامتصاص الضربات وإعادة تنظيم صفوفها. كما أن تضاريسها، بما تحمله من تعقيدات ساحلية وجبلية، تجعل أي تدخل بري محتمل محفوفاً بتحديات لوجستية وعسكرية كبيرة.
في المقابل، تعتمد إيران على استراتيجية ردع تقوم على توسيع نطاق الصراع، بحيث لا يبقى محصوراً في حدودها الجغرافية. وهذا يعني أن أي استهداف مباشر لبنيتها التحتية قد يُقابل بردود تمتد إلى ساحات إقليمية متعددة، ما يرفع من احتمالات التصعيد المتبادل ويجعل احتواء النزاع أمراً بالغ الصعوبة.
وفي هذا السياق، يبدو أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد بالغ في استعراض العضلات العسكرية لبلاده، انطلاقاً من تصور تقليدي لتفوق لا يُنازع، غير أن مجريات الأحداث تكشف عن مفاجأة واضحة إزاء مستوى الصلابة والقدرة على الرد التي أظهرتها إيران. هذا التباين بين التوقعات والواقع ترافق مع تنامي سخط دولي، لا سيما في ظل ما يُنظر إليه على أنه تجاهل لتداعيات العمليات العسكرية على المدنيين، فضلاً عن التناقض الصارخ بين خطاب سابق تعهّد فيه بإنهاء الحروب وبين ممارسات حالية تُسهم في توسيع نطاقها بشكل غير مسبوق.
ولا تقتصر التداعيات المحتملة على الجانب العسكري، بل تمتد إلى الاقتصاد العالمي، خاصة في ظل حساسية أسواق الطاقة لأي اضطراب في منطقة الخليج. إذ يمكن لأي تصعيد واسع أن يؤدي إلى اختلال في إمدادات النفط والغاز، ما سينعكس على الأسعار والنمو الاقتصادي عالمياً، وقد يفتح الباب أمام أزمات مالية أوسع نطاقاً، وهو ما بدأت مؤشراته في الظهور فعلياً.
مع ذلك، ينبغي النظر بحذر إلى الخطابات التي تفترض سهولة الحسم العسكري أو حتميته، سواء تلك التي تبالغ في فاعلية القوة الجوية أو التي تقلل من كلفة المواجهة الشاملة. فالتاريخ الحديث يُظهر أن الحروب الكبرى نادراً ما تسير وفق الخطط المرسومة، وغالباً ما تنتهي إلى نتائج معقدة ومفتوحة على احتمالات متعددة.
في المحصلة، يعكس هذا المشهد واقعاً استراتيجياً أكثر تعقيداً مما تفترضه رهانات الحسم السريع، حيث تتداخل عناصر القوة العسكرية مع الجغرافيا والسياسة والاقتصاد في تشكيل مسار أي صراع محتمل، ما يجعل من خيار الحرب أداة محفوفة بالمخاطر وتداعياتها تتجاوز بكثير حدود ساحتها المباشرة.
المصدر:
البوابة الإخبارية اليمنية