في ظل التحولات الاقتصادية المتسارعة والتحديات التنموية التي تواجه الدول، يبرز التعليم التقني والفني كأحد أهم الركائز الأساسية لتحقيق التنمية المستدامة وبناء اقتصاد وطني قائم على الإنتاج والكفاءة. غير أن هذا القطاع الحيوي في اليمن عانى خلال السنوات الماضية من إهمال واضح، تمثل في ضعف موازنة الوزارة — التي تُعد من أقل موازنات الوزارات — رغم أن طبيعة مؤسساته تطبيقية وتتطلب تجهيزات وأدوات عملية بشكل يومي، علماً ان كليات المجتمع تستلم موازنة بنسبة 25% فقط من الموازنة المرصودة لعا لعام 2014م اما موازنة المعاهد فهي شبه معدومة إلى جانب تراجع الاهتمام الحكومي وغياب الرؤية الاستراتيجية لتطوير مؤسساته، سواء المعاهد التقنية والفنية والتجارية أو كليات المجتمع.
وقد أدى هذا الإهمال إلى عزوف شريحة واسعة من الطلاب عن الالتحاق بهذا النوع من التعليم، مما أسهم في تعميق الفجوة بين مخرجات التعليم واحتياجات سوق العمل. وفي المقابل، تزايد الاعتماد على التعليم الجامعي التقليدي الذي وصل إلى مرحلة التشبع في كثير من التخصصات، دون أن يقابله توسع موازٍ في التعليم التقني، الذي يُعد المسار الأكثر ارتباطًا بالإنتاج وسوق العمل. فخريجو التعليم التقني والفني يمثلون القوة الحقيقية التي تنتقل مباشرة من مقاعد الدراسة إلى ميادين العمل، ليسهموا بفاعلية في تحريك عجلة الاقتصاد وتلبية احتياجات القطاعات الصناعية والخدمية.
ورغم هذه التحديات، فإن بوادر الأمل بدأت تتجدد مؤخرًا مع تنامي الاهتمام الرسمي بإعادة الاعتبار لهذا القطاع الحيوي. ويأتي في مقدمة هذا التوجه اهتمام دولة رئيس مجلس الوزراء الدكتور شائع محسن الزنداني، الذي يدرك عن قرب أهمية التعليم الفني، انطلاقًا من تجربته الشخصية، حيث كانت بداياته المهنية في هذا المسار، ما يمنحه فهمًا عميقًا لدوره المحوري في بناء الاقتصاد الوطني.
كما يبرز الدور الفاعل لمعالي وزير التعليم الفني والتدريب المهني الدكتور أنور محمد كليشات المهري، الذي أبدى اهتمامًا واضحًا بإصلاح وتطوير منظومة التعليم التقني، من خلال تحديث البرامج، وتعزيز البنية التحتية، وربط مخرجات التعليم باحتياجات سوق العمل، بما يضمن تحقيق الكفاءة والجودة.
إن النهوض بالتعليم التقني والفني لا يمثل مجرد خيار إصلاحي، بل هو ضرورة وطنية ملحة، تتطلب تضافر جهود الحكومة والقطاع الخاص والشركاء الدوليين. ويشمل ذلك إعادة النظر في السياسات التعليمية، وزيادة المخصصات المالية، وتطوير المناهج، وتأهيل الكوادر التعليمية، وتوسيع الشراكات مع سوق العمل.
إن الرهان اليوم معقود على هذه القيادة الواعية لإحداث نقلة نوعية في مسار التعليم التقني، وتحويله إلى قاطرة للتنمية، ومسار جاذب للشباب الباحث عن مستقبل مهني مستقر ومثمر.
وفي ظل هذا التوجه الإيجابي، يبقى الأمل كبيرًا بأن يشهد هذا القطاع الحيوي نهضة حقيقية تعيد له مكانته، وتُسهم في بناء اقتصاد وطني متين قائم على المهارة والإنتاج، لا على التكدس الوظيفي والبطالة المقنّعة.
كتب /الدكتور/ عبدالله الحاج
رئيس الجهاز التنفيذي للمجلس الأعلى لكليات المجتمع
29 مارس 2026م
المصدر:
عدن الغد