جدّدت إيران التلويح بورقة الحوثيين وتوسيع نطاق الحرب ليشمل التأثير على الملاحة الدولية في مضيق باب المندب، مع الجاهزية للرد في مسارح "عملياتية واسعة"، في الوقت الذي ينظر مراقبون إلى حرب المضائق كوسيلة خطيرة جداً لا تقل عن القنبلة النووية، إن جاز التعبير.
وأورد الإعلام الإيراني، عبر وكالة الأنباء المقربة من الحرس الثوري "تسنيم"، الأربعاء الماضي، تصريحًا منسوبًا إلى مصدر عسكري، شدّد فيه بقوله: "إذا أقدم العدو على أي تحرك بري ضد الجزر الإيرانية أو أي جزء من أراضينا، أو حاول عبر تحركات بحرية فرض تكاليف على إيران، سنفتح له جبهات أخرى كمفاجأة، بحيث لا يقتصر الأمر على تجريده من أي مكسب، بل ستتضاعف خسائره وتكاليفه بشكل هائل".
وأشار المصدر العسكري، إلى أن "مضيق باب المندب يُعد من المضايق الإستراتيجية في العالم"، مؤكدًا أن "إيران تمتلك الإرادة والإمكانية معًا لخلق تهديد ضده"، محذرًا الولايات المتحدة بشكل مباشر، قائلًا: "إذا كان الأمريكيون يسعون عبر إجراءات (حمقاء) لإيجاد حل لمعضلتهم في مضيق هرمز، فعليهم الحذر لكيلا يضيفوا مضيقًا آخر إلى قائمة أزماتهم ومآزقهم".
وأعقبت الوكالة ذاتها هذا التصريح بنشر تصريح آخر منسوب إلى مصدر مطلع، جاء فيه: "إذا استدعت الحاجة للسيطرة على مضيق باب المندب لتأديب العدو بشكل أكبر، فبالإضافة إلى أن إيران وحدها قادرة على إيجاد تهديد حقيقي في هذا المضيق، فإن الحوثيين في اليمن على أتم الاستعداد للقيام بدورهم ببراعة".
من جهته، شدّد زعيم ميليشيا الحوثيين عبدالملك الحوثي في خطاب متلفز له مساء أمس الخميس، على أن جماعته "لن تقف على الحياد إزاء ما تتعرض له إيران"، مُعلنًا عدم "التردد" في أداء الواجب، ومؤكدًا أن "أي تطورات للمعركة تقتضي الموقف العسكري، سنبادر إلى ذلك بكل ثقة"، بحسب تعبيره.
في المقابل، أصدرت الإدارة البحرية التابعة لوزارة النقل الأمريكية إشعارًا تحذيريًا الخميس، مشيرةً إلى أن الحوثيين لا يزالون يشكلون تهديدًا للأصول البحرية الأمريكية، بما في ذلك السفن التجارية، وقد يبدأون باستهداف السفن في باب المندب، خصوصًا عقب تلويح إيران بإمكانية توسيع القيود على الشحن العالمي خلال الحرب الجارية.
وتفرز هذه المعطيات، وفق تقديرات خبراء ومحللين، تحولات لافتة في نمط السلوك الإيراني، تتصاعد فيها المؤشرات على تبني مقاربة أكثر تعقيدًا تقوم على إدارة الصراع من "هوامشه" بدل خوضه في مركزه، وفي هذا السياق لم تعد المواجهة العسكرية المباشرة الخيار المفضل، بل يجري استبدالها تدريجيًا بأدوات ضغط غير تقليدية، تتقدمها ورقة الممرات البحرية الحيوية، من مضيق هرمز إلى باب المندب، بوصفها شرايين رئيسة للاقتصاد العالمي.
وأوضح المراقبون أن هذا التحول لا يبدو طارئًا، بل يأتي ضمن مسار تراكمي يعكس تطورًا في العقيدة الإيرانية، التي باتت تعتمد على توزيع الضغط ورفع كلفة الاستهداف، عبر خلق بؤر توتر متزامنة تُربك الخصوم وتمنح طهران هامش مناورة أوسع.
*مبالغة*
ويرى الخبير في الشؤون العسكرية وتكنولوجيا النقل البحري الدكتور علي الذهب أن "الحديث عن خنق التجارة العالمية عبر باب المندب ينطوي على مبالغة تفوق القدرات الفعلية للحوثيين".
وأكد الذهب أن الحوثيين "لا يمتلكون القدرة على إغلاق المضيق"، مستشهدًا بتجربتهم خلال فترة التصعيد المرتبط بحرب غزة، حيث اقتصرت عملياتهم على إعاقة جزئية ومؤقتة لحركة الملاحة دون الوصول إلى تعطيل شامل.
وأشار إلى أن "تلك العمليات، رغم تأثيرها المحدود، جاءت بكلفة مرتفعة على الحوثيين، الذين تكبدوا خسائر كبيرة في بنيتهم التحتية شملت تدمير أجزاء من قدراتهم العسكرية، وتضرر موانئ رئيسة، وخروج مطار صنعاء عن الخدمة، إلى جانب أضرار جسيمة طالت قطاعات صناعية".
وبحسب تقديره، فإن "الخطر الحقيقي لا يكمن في إغلاق باب المندب، بل في تعطيل سلاسل الإمداد بين شرق آسيا ودول المنطقة وأوروبا، خاصة إذا تزامن ذلك مع اضطرابات في مضيق هرمز، ما قد ينعكس على تدفقات النفط وأسواق الطاقة العالمية".
*أداة إيرانية*
بدوره، قال المحلل السياسي والأكاديمي الدكتور علي العسلي، إن "إيران تتبنى إستراتيجية تقوم على استغلال الممرات البحرية كأدوات ضغط، كون ذلك يعد بالنسبة لها أكثر فاعلية وأقل كلفة من المواجهة المباشرة".
ويرى العسلي أن "طهران تسعى من خلال هذه المقاربة إلى فرض معادلات جديدة عبر تهديد التجارة الدولية ورفع الكلفة الاقتصادية على خصومها، دون المخاطرة بدخول حرب مفتوحة تكلفها خسائر عسكرية إضافية".
وأكد العسلي أن "استخدام الحوثيين يندرج ضمن هذه الاستراتيجية، حيث يوفرون لإيران أداة تنفيذ منخفضة المخاطر تُمكّنها من توجيه رسائل غير مباشرة"، مشيرًا إلى أن "الحوثيين بدأوا في تهيئة الأجواء لمثل هذا الدور من خلال خطاب يبرر تحركاتهم باعتبارها دفاعًا عن اليمن، على غرار خطاب حزب الله في لبنان".
ونوه العسلي إلى أن هذا المسار قد يدفع القوى الدولية، وفي مقدمتها الولايات المتحدة، إلى تدخل عسكري لحماية الممرات الحيوية، وهو ما قد يرفع سقف التصعيد في المنطقة ويزيد كلفة المواجهة.
*ارم نيوز
المصدر:
مأرب برس