قال معهد أبحاث، إن قدرة الحوثيين على تعطيل الملاحة البحرية، وضرب البنية التحتية للطاقة في الخليج، والضغط على خصومهم الإقليميين، تجعلهم الطرف الأكثر غموضًا في هذا الصراع، رغم أنهم لم يدخلوا بعدُ الحرب الإقليمية المتصاعدة.
في أعقاب الضربات الأمريكية والإسرائيلية على إيران دخل الشرق الأوسط مرحلة جديدة من التصعيد، مسجلاً أول مواجهة عسكرية مباشرة بين دولتين على ضفتي مضيق هرمز، وردّت طهران بضربات على عواصم الخليج، مستهدفةً البنية التحتية المدنية والطاقة.
وفي الوقت نفسه، دخل حزب الله، حليف إيران في لبنان، على خط المواجهة بقصف صاروخي على إسرائيل عقب اغتيال آية الله علي خامنئي، ما دفع إسرائيل إلى شنّ ضربات كبيرة في جنوب لبنان.
ووفق منتدى الخليج الدولي (مقرة واشنطن)، ومع ذلك ظلّ أحد أبرز أعضاء ما يُسمى بـ"محور المقاومة" الإيراني غائباً بشكل ملحوظ عن الصراع: ألا وهو الحوثيين، فعلى الرغم من إدانتهم للهجمات الأمريكية والإسرائيلية وتعبيرهم عن تضامنهم مع إيران، إلا أنهم امتنعوا حتى الآن عن أي تدخل عسكري مباشر.
ومن المرجح أن يكون لدخول الحوثيين في الصراع أو بقائهم على الحياد عواقب وخيمة على اليمن وإيران ومنظومة الأمن الإقليمي في الخليج. بحسب التحليل.
حسابات الحوثيين
اليوم السؤال المحوري هو كيف سيرد الحوثيون على تصاعد الصراع الإقليمي. فعلى عكس ردها العسكري السريع بعد 7 أكتوبر، لم تقدم الجماعة حتى الآن أي دعم عسكري مباشر لإيران. وفق تحليل منتدى الخليج الدولي.
وفي خطاب متلفز في 5 مارس، حذر زعيم الحركة، عبد الملك الحوثي، قائلاً: "أصابعنا على الزناد في أي لحظة إذا استدعت التطورات ذلك"، تاركاً الباب مفتوحاً أمام إمكانية التدخل العسكري. مع ذلك، لم تُترجم هذه التهديدات حتى الآن إلى أي إجراء من شأنه تغيير ديناميكيات الصراع.
في الخطاب نفسه، وصف الحوثي الدول التي تستضيف قواعد عسكرية أمريكية بأنها "أنظمة موالية للصهيونية". وزعم أن حكومات دول الخليج تُكرّس مواردها السياسية والعسكرية لحماية القواعد العسكرية الأمريكية والإسرائيلية، التي قال إنها تلعب دورًا مباشرًا في الهجمات ضد إيران. ويبدو أن هذا الخطاب يهدف إلى بناء إطار أيديولوجي يُبرر معاملة دول الخليج كأهداف عسكرية.
لذا، قد يكون لرد الحوثيين تداعيات إقليمية كبيرة. وتقول ميساء شجاع الدين، فإنه بالنظر إلى الاستثمارات العسكرية والاقتصادية والسياسية التي ضختها إيران في الحركة منذ ثمانينيات القرن الماضي، فمن المنطقي إذن أن تتوقع طهران شكلاً من أشكال الدعم خلال أزمة كبرى.
وفي الوقت نفسه، لا يرغب الحوثيون في الظهور بمظهر الخاضعين تمامًا لإيران، فبينما يُشددون على خطاب الاستقلال الوطني، فإنهم يحافظون أيضًا على موقع استراتيجي ضمن ما تبقى من "محور المقاومة" الإيراني. ومع تزايد الضغوط العسكرية والسياسية على حزب الله وحماس، يُنظر إلى الحوثيين بشكل متزايد على أنهم عنصر غير متوقع في هذا التحالف.
مسارات التدخل الحوثي
قد يمارس الحوثيون ضغوطًا اقتصادية على واشنطن وتل أبيب عبر مهاجمة الملاحة الدولية في البحر الأحمر، مما يزيد من تفاقم أزمة الطاقة العالمية. ومع إغلاق طهران لمضيق هرمز فعليًا، ارتفعت شحنات النفط عبر مضيق باب المندب بشكل ملحوظ، حيث يعوّض مُصدّرو الخليج انخفاض التدفقات.
ومن شأن تعطيل الملاحة عبر مضيق باب المندب أن يزيد من توتر التجارة العالمية ويرفع أسعار الطاقة إلى مستويات أعلى، مما يزيد الضغط السياسي على الإدارة الأمريكية للسعي إلى حلٍّ للنزاع.
قد يشنّ الحوثيون هجمات على منشآت النفط السعودية، كما فعلوا عدة مرات من قبل، أو قد يستهدفون دولاً خليجية أخرى بحسب قدراتها الصاروخية.
في مثل هذا السيناريو، قد تواجه أنظمة الدفاع الجوي الخليجية تهديدات متزامنة من جهات متعددة، وهو تحدٍّ تفتقر هذه الدول إلى الخبرة الكافية في مواجهته، كما قد تصبح البنية التحتية للطاقة والمنشآت المدنية عرضة للخطر بشكل خاص في مواجهة إقليمية أوسع.
كلفة التصعيد
مع ذلك، قد ينطوي تورط الحوثيين في الصراع على مخاطر سياسية جسيمة، سواءً لليمن أو لمنطقة الخليج ككل. فبعد التطورات التي شهدها اليمن في ديسمبر/كانون الأول 2025، خفّضت الإمارات العربية المتحدة وجودها العسكري في البلاد، ما أدى إلى تغيير موازين القوى فيها، وسمح للسعودية بالبروز كفاعل خارجي رئيسي.
وقد تُزعزع الهجمات الحوثية المباشرة على دول الخليج استقرار التوازن الدبلوماسي الهش في السياسة اليمنية، وتُضعف موقف الحوثيين الداخلي، فعلى مدى السنوات الثلاث الماضية، أقامت الحركة حوارًا محدودًا مع السعودية، وعلى الرغم من التوترات المستمرة، تعاملت الرياض مع الجماعة بشكل متزايد كفاعل سياسي معترف به في اليمن.
وقد جعل الانسحاب الإماراتي الأخير، وما تبعه من إضعاف لشركاء أبو ظبي، مثل المجلس الانتقالي الجنوبي، من الحوثيين محاورًا رئيسيًا للسعودية، وإذا ما شنّ الحوثيون هجمات على دول مجلس التعاون الخليجي نيابةً عن إيران، فإنهم يُخاطرون بتقويض المكاسب السياسية والاعتراف المحدود الذي حققوه في علاقاتهم مع الخليج حتى الآن.
في الوقت نفسه، قد يؤدي انخراط الحوثيين في الحرب إلى تحويل أراضيهم مجدداً إلى أهداف عسكرية مباشرة لإسرائيل والولايات المتحدة. فخلال الغارات الإسرائيلية على صنعاء في أكتوبر/تشرين الأول 2025، قُتل عدد من كبار المسؤولين العسكريين، بمن فيهم رئيس أركان الحوثيين محمد عبد الكريم الغماري ورئيس الوزراء أحمد الرهوي.
ولتجنب خسائر مماثلة، أفادت التقارير أن الحوثيين قاموا بإخلاء بعض البنى التحتية الحيوية في صنعاء. وكما توضح ندوى الدوسري، "قد يشير هذا إلى أن الجماعة على وشك الانضمام إلى القتال دعماً لإيران، في محاولة لتقليل الأضرار الناجمة عن أي ضربات انتقامية محتملة من الولايات المتحدة أو إسرائيل".
من المحتمل أيضاً أن ينظر الحوثيون إلى أي تدخل لصالح إيران على أنه غير مناسب استراتيجياً، وأن يسعوا بدلاً من ذلك إلى تحصين موقفهم بتجنب التصعيد الإقليمي. وعلى غرار هيئة تحرير الشام السورية، قد يحاول الحوثيون إعطاء الأولوية لترسيخ وجودهم داخلياً والسعي إلى مزيد من الاعتراف الإقليمي من خلال تقديم أنفسهم كفاعل وطني بالدرجة الأولى بدلاً من حركة مقاومة انتقالية.
بشكل عام، قد يُعرّض التدخل المباشر للحوثيين في الصراع التقدم الدبلوماسي الذي أحرزته الجماعة مع دول الخليج في الأشهر الأخيرة للخطر، فضلاً عن النهج الحذر نسبياً الذي تبنته الولايات المتحدة مؤخراً تجاه اليمن.
وستُحدد الخيارات التي سيتخذها الحوثيون في الفترة المقبلة ليس فقط التوازن الداخلي في اليمن، بل أيضاً ديناميكيات الأمن في منطقة الخليج الأوسع واستراتيجية إيران الإقليمية.
المصدر:
مأرب برس