آخر الأخبار

بعد تحولها إلى مصدر تهديد.. هل بات إخراج القواعد الأمريكية شرطاً وجودياً لأمن الخليج ؟

شارك

لسنوات، استندت الاستراتيجية الدفاعية لغالبية دول الخليج إلى فرضية أن القواعد الأمريكية والمنظومات الدفاعية المتطورة هي الضمانة النهائية ضد أي تهديد إقليمي، إلا أن الأحداث الأخيرة وجهت ضربة قاصمة لهذه الفرضية؛ حيث بدت الولايات المتحدة، بكل ثقلها العسكري، عاجزة ليس فقط عن حماية حلفائها، بل عن حماية مصالحها وقواعدها الخاصة التي طالتها الضربات الإيرانية منذ اليوم الأول للمواجهة.

هذا الفشل في توفير "الحماية المزعومة" كشف عن هشاشة بنيوية في مفهوم المظلة الأمريكية، فالمنظومات الدفاعية التي كلف استيرادها مئات المليارات من الدولارات أثبتت قصوراً واضحاً أمام تكتيكات الهجوم الحديثة، مما جعل الدول الحليفة تدرك أنها تقف مكشوفة أمنياً في وقت تشتعل فيه الجبهات، بينما تكتفي واشنطن ببيانات الإدانة أو التصعيد الكلامي الذي لا يمنع سقوط الصواريخ.

وتتمثل المعضلة الكبرى التي تواجه الدول الخليجية اليوم في أن التواجد العسكري الأمريكي على أراضيها بات هو السبب المباشر لجرها إلى أتون الحرب، فبموجب قواعد الاشتباك الراهنة، تعتبر القوى الإقليمية المعادية لواشنطن أن أي دولة تستضيف قواعد أمريكية هي شريك في المجهود الحربي، مما يحول جغرافية هذه الدول ومنشآتها الحيوية إلى "أهداف مشروعة".

وبمعنى آخر، لولا وجود هذه القواعد، لكانت دول الخليج في مأمن من الاستهداف المباشر، حيث أن الرد الإيراني الأخير أثبت أن السياسة الأمريكية الصدامية في المنطقة تجعل من حلفائها "دروعاً استراتيجية" وجغرافية لتصفيات حسابات دولية، مما يضع أمن المواطن الخليجي وازدهار دوله في مهب الريح نتيجة لقرارات تُتخذ في واشنطن وتل أبيب، بعيداً عن المصالح الوطنية لهذه الدول.

ورغم أهمية المسارات الدبلوماسية وسياسة "تصفير المشاكل" التي انتهجتها بعض العواصم، إلا أن الواقع الجديد يفرض حقيقة مرة، مفادها أن الدبلوماسية وحدها لا تكفي ما دامت القواعد الأمريكية جاثمة على الأرض، فوجود هذه القواعد يجهض أي محاولة لبناء ثقة إقليمية مستدامة، ويجعل من دول الخليج طرفاً في أي صراع أمريكي مستقبلي رغماً عنها.

ونظرا لتلك الحقيقة المتمثلة في انكشاف كذبة الحماية الأمريكية لأمن دول الخليج، وتحول التواجد العسكري الأمريكي إلى مصدر تهديد لأمن هذه الدول، فإن صوت العقل اليوم يتجه نحو ضرورة "التخلص من المظلة الأمريكية" بشكل كامل، حيث يؤكد محللون أن إخراج القواعد العسكرية الأجنبية لم يعد مجرد خيار سياسي، بل أصبح ضرورة أمنية وجودية، إذ أن نزع فتيل الانفجار يتطلب إزالة "الصاعق"؛ والصاعق هنا هو التواجد العسكري الذي يجعل المنطقة ساحة حرب مفتوحة.

ومن ناحية أخرى يرتبط "الأمن القومي" في الخليج ارتباطاً عضوياً بالنموذج الاقتصادي القائم على السياحة، والطيران العالمي، وجذب الاستثمارات، ومع اضطراب الملاحة في مضيق هرمز وارتفاع تكاليف التأمين والمخاطر السيادية، بات هذا النموذج مهدداً بالانهيار الكامل، حيث يرى المحللون أن المخططين لهذه المواجهة لم يدركوا حجم "الخطأ الجسيم" في تقدير عواقب التصعيد، الذي قد يؤدي إلى ركود عالمي يبدأ من موانئ ومطارات المنطقة.

ويؤكد المحللون أن المظلة الأمريكية التي لطالما وثقت بها دول الخليج كضامن لأمنها الإقليمي وحمايتها من أي تهديد خارجي، اتضح أنها مظلة "مثقوبة" لا تقي من المطر بل تستجلب الصواعق، مضيفين أن الحماية الحقيقية لدول المنطقة تكمن في الاعتماد على الذات وبناء منظومة أمن إقليمي جماعي خالية من القواعد الأجنبية، حيث أن استمرار استضافة هذه القواعد هو بمثابة رهان خاسر بامتياز، قد يكلف الدول الخليجية فقدان أمنها وازدهارها في مقابل حماية لم تتحقق، بل تحولت إلى تهديد وجودي كان يمكن تجنبه لو لم يكن هناك قواعد أمريكية.



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا