في كل عام تعود ذكرى تحرير عدن، محملةً بوهج البطولات ودماء الشهداء التي روت تراب هذه المدينة الأبية، لتذكرنا بحجم التضحيات التي قُدمت في سبيل الحرية والكرامة. غير أن هذه الذكرى، التي كان يفترض أن تكون مساحة للفخر الخالص، أصبحت تحمل في طياتها شعورًا ثقيلًا بالمسؤولية، بل وبالاعتذار أيضاً.
أتقدم، باسمي وباسم قيادة وأفراد المقاومة الجنوبية وأبطال حرب 2015، وبكل ما نحمله من تقدير وإجلال لأسر الشهداء، باعتذار صادق لشعبنا، لأننا لم نكن على قدر الأمانة التي حملناها بعد التحرير، ولأن النتائج التي آلت إليها الأوضاع لا توازي حجم التضحيات التي بُذلت.
لقد شارك في تحرير عدن شباب من مختلف المناطق، وكان في مقدمتهم أبناء المدينة الذين قدموا الغالي والنفيس، وسطروا ملاحم خالدة ستظل شاهدة على شجاعتهم وإخلاصهم. لم يكن هدفهم مجرد طرد عدو، بل كان حلمهم بناء مدينة تليق بتضحياتهم، تنعم بالأمن والاستقرار والعيش الكريم.
لكن ما حدث بعد ذلك كان صادمًا ومؤلمًا. فقد تولى زمام الأمور من لا يدرك معنى تلك التضحيات، ومن لم يحمل في قلبه مسؤولية الدماء التي سُفكت. غاب الإحساس بالأمانة، وتراجعت القيم، وتُرك الشهداء وأسرهم في زوايا النسيان، بينما انشغل البعض بتأمين مصالحهم الخاصة، وبناء الثروات، وفتح الحسابات البنكية، وامتلاك العقارات خارج البلاد.
تحولت بوصلة البعض من خدمة الناس إلى خدمة الذات، ومن الوفاء للشهداء إلى البحث عن النفوذ والمكاسب. ولم تعد عدن، التي ضحى الجميع من أجلها، في صدارة الاهتمام كما كانت يوم التحرير، بل أصبحت ضحية لتراكم الإهمال وسوء الإدارة.
واليوم، وبعد مرور أكثر من أحد عشر عامًا، نشهد مشاهد مؤلمة، حيث يضطر بعض أهل الخير إلى جمع التبرعات البسيطة لأبناء الشهداء، في ظل غياب منظومة حقيقية ترعى أسرهم وتكفل لهم حياة كريمة. وهذا وحده كفيل بأن يجعلنا نقف أمام أنفسنا وقفة صادقة.
إن الشهيد لم يقدم روحه ليُترك أطفاله في مواجهة الحاجة، ولم يذهب إلى المعركة من أجل أن يُفسح المجال للفاسدين والعبثيين، بل ضحى من أجل وطن يستحقه الجميع، ومن أجل مستقبل أفضل لأسرته ولشعبه.
ومن هنا، فإن الاعتذار ليس ضعفًا، بل شجاعة أدبية، وواجب أخلاقي، يفرض علينا أن نعترف بأننا أخطأنا حين سلمنا الأمر لمن لا يستحق، وأننا لم نحسن حماية أهداف تلك الثورة العظيمة.
في ذكرى تحرير عدن، نعيد التأكيد أننا باقون على العهد، وأن هذه المراجعة الصادقة يجب أن تكون بداية لتصحيح المسار، ورد الاعتبار لتضحيات الشهداء، والعمل الجاد من أجل بناء وطن يليق بما قُدم من أجله.
الشيخ عادل السعدي
قائد مقاومة ميناء عدن
رئيس المفوضية العليا للتصالح
المصدر:
عدن الغد