ولم تكن الخسائر العسكرية والاقتصادية الأخيرة التي تكبدتها كل من أمريكا وإسرائيل وحلفائهما في المنطقة مجرد أرقام في سجلات الحرب، بل كانت رسائل دم مشفرة، كان يجب أن يستوعبها ترامب ونتنياهو، قبل الاندفاع بوهم القوة، وعدم التقدير للعواقب، إلى شن الهجوم على إيران في 28 فبراير الماضي.
لاتزال صواريخ ومسيرات إيران تضرب العمق الإسرائيلي، موقعة خسائر كبيرة، عجز تكتم حكومة الكيان وتعتيمها الإعلامي عن إخفاء ملامح الدمار الذي تخلفه الهجمات الإيرانية في أنحاء متفرقة من الأراضي الفلسطينية المحتلة، فيما تحظى المناطق الاستراتيجية بالنصيب الأكبر من هذه الهجمات، الأمر الذي بات في ظله الشارع الإسرائيلي يشعر بالنقمة على حكومة نتنياهو، التي جرت عليهم كل هذا السيناريو المرعب الذي لم يكونوا يتصورونه، ولا يعلمون متى سينتهي.
وفي الوقت نفسه تتزايد خسائر الولايات المتحدة في هذه الحرب، بعد سقوط العشرات من القوات الأمريكية، بحسب تصريحات قيادات في الجيش الأمريكي، ولعل أبرز تلك الخسائر حتى الآن هو تحطم طائرة التزود بالوقود KC-135 في العراق، ومصرع طاقمها، وإجلاء 19 جندياً مصاباً إلى القواعد الأمريكية في ألمانيا، وهو الأمر الذي كشف عن ثغرات أمنية في سماء اعتقدت واشنطن أنها تسيطر عليها بالكامل.
ولم تكد تستفيق الإدارة الأمريكية من صدمتها حتى جاءت الضربة التي هزت أركان القيادة المركزية الأمريكية، التي تدير العمليات ضد إيران، حيث تعرضت حاملة الطائرات "يو إس إس إبراهام لينكولن" لأضرار جراء هجمات مركبة بالصواريخ والمسيّرات الإيرانية، حيث يرى محللون أنه وبغض النظر عن حجم الضرر المادي، فإن إصابة "قلعة أمريكا العائمة" تعني كسر أسطورة التفوق البحري المطلق، وإثباتاً عملياً بأن القواعد والقطع البحرية باتت أهدافاً سهلة في حرب غير متماثلة، مما يُفقد "العصا الغليظة" الأمريكية قدرتها على الترهيب في الممرات المائية الحيوية.
وفي أروقة المخابرات المركزية، ساد صمت مطبق عقب تقييم استخباراتي "صادم" يؤكد عدم وجود أي مؤشرات على انهيار النظام في إيران، حيث أن هذه النتيجة تضرب الغاية الجوهرية للحرب في مقتل؛ فبدلاً من تفكيك الجبهة الداخلية الإيرانية، يبدو أن الضغط العسكري قد وحّد الخصوم تحت راية واحدة، مما حول استراتيجية "تغيير النظام" إلى سراب بعيد المنال، وجعل واشنطن تواجه خصماً أكثر تماسكاً مما توقعته غرف العمليات.
وعلى الجبهة الاقتصادية، ارتدت الرصاصة إلى صدر مطلقها بشكل أعنف مما توقعه خبراء البيت الأبيض، فمع اشتعال التوتر في مضيق هرمز، الشريان التاجي للطاقة العالمية، قفزت أسعار النفط لتلامس حاجز الـ 100 دولار للبرميل، وسط توقعات بكسر أرقام قياسية تاريخية إذا استمرت المواجهات، هذا الارتفاع الجنوني لم يؤلم المستهلك الأمريكي فحسب عبر زيادة تكاليف المعيشة والتضخم، بل قدم "هدية جيوسياسية" على طبق من ذهب لروسيا، التي، تمكنت بفضل ذلك من التخلص من العقوبات الأمريكية والأوروبية على النفط الروسي، حيث يرى محللون أن كل دولار يرتفع في سعر البرميل يترجم فورياً إلى مئات الملايين من الدولارات الإضافية التي تتدفق يومياً إلى الخزينة الروسية، مما يمنح موسكو قدرة مالية هائلة للمناورة في ملفات دولية أخرى.
وبمعنى أدق، فإن الحرب التي أرادت واشنطن استخدامها لتجفيف منابع خصومها، تحولت إلى محرك مالي يضخ الحياة في اقتصاديات منافسيها الجيوسياسيين، مما يجعل الاستراتيجية الأمريكية الحالية تعمل لصالح خصومها لا ضدّهم.
وبالنظر إلى الصدمة التي تلقتها إدارة ترامب، جراء صمود إيران سياسيا وعسكريا، واستعداداتها لخوض حرب استنزاف طويلة، يجد ترامب نفسه اليوم أمام مقصلة الخيارات الصعبة والأصعب، حيث أن الانسحاب هو بمثابة إعلان هزيمة رسمية، تمنح إيران نفوذاً غير مسبوق في الخليج وتفتح شهية الصين وروسيا لتحدي الهيمنة الأمريكية عالمياً بعد انكسار هيبتها في ما يتعبره محللون "أهم اختبار عسكري لها" خلال القرن الحادي والعشرين.
ويرى محللون أن الخيار الآخر لا يقل سوءا عن الانسحاب، بل يتجاوزه كثيرا، وهو أنه في حال قرر ترامب التمادي في التصعيد، فإن ذلك يعني الانزلاق نحو حرب إقليمية شاملة تحرق ممرات الطاقة العالمية وتستنزف الاقتصاد الأمريكي في سيناريو يفوق كوابيس العراق وأفغانستان مجتمعين، مع احتمال انهيار أسواق المال العالمية تحت وطأة صدمة النفط وانعدام الأفق السياسي للحل.
ويؤكد المحللون أن الحرب التي أُريد لها أن تكون "ضربة سريعة وحاسمة" لإعادة هيبة أمريكا، تحولت الآن إلى صراع معقد متعدد الطبقات يهدد الاستقرار المالي العالمي، مضيفين أن الحقيقة الأكثر وضوحاً اليوم هي أن واشنطن لم تفشل فقط في تحقيق نصر سريع، بل فتحت باب أزمة استراتيجية واقتصادية قد تلاحق إدارة ترامب لسنوات، في حين أن السؤال الذي يتردد الآن في مراكز الدراسات الغربية ليس عن موعد انتهاء كابوس هذه الحرب، بل عما إذا كان هذا الصراع هو بداية أكبر خطأ استراتيجي سيؤدي إلى إنهاء "القرن الأمريكي"، وإنهاء عصر الهيمنة الأمريكية إلى الأبد.
المصدر:
البوابة الإخبارية اليمنية