ففي تصريحات لخبير الاستخبارات السابق في وكالة المخابرات المركزية الأمريكية لاري جونسون، والعقيد المتقاعد في الجيش الأمريكي لورانس ب. ويلكرسون، جرى التأكيد على أن إرسال قوات برية أمريكية إلى إيران لن يكون مجرد عملية عسكرية تقليدية، بل مغامرة قد تتجاوز قدرات واشنطن العسكرية واللوجستية.
أول ما يلفت الانتباه في هذا الطرح هو الاعتراف بأن القوة الجوية، رغم تفوق الولايات المتحدة فيها، لا تكفي لحسم الحروب المعاصرة بمفردها. فقد أثبتت تجارب عسكرية متعددة أن الضربات الجوية قادرة على إضعاف الخصم وتدمير جزء من بنيته التحتية العسكرية، لكنها نادراً ما تحسم الصراع من دون وجود قوات برية تفرض السيطرة على الأرض. وفي حالة إيران، تبدو هذه المعضلة أكثر تعقيداً، فمساحة البلاد الشاسعة وطبيعتها الجغرافية المتنوعة، من جبال وعرة وصحارى واسعة، تجعل أي حملة عسكرية تعتمد فقط على الطيران عاجزة عن تحقيق أهداف استراتيجية حاسمة، حتى مع مشاركة وحدات نخبة مثل الفرقة 82 المحمولة جواً التي قد تتمكن من الانتشار سريعاً لكنها لا تستطيع الصمود لفترة طويلة من دون خطوط إمداد قوية ومستقرة.
العقبة الثانية تتعلق بصعوبة إدخال القوات البرية إلى ساحة المعركة من الأساس. فبحسب التقديرات التي أشار إليها ويلكرسون، فإن المسارات المحتملة لإدخال قوات أمريكية إلى إيران معقدة للغاية جغرافياً وعسكرياً. فإحدى الفرضيات تفترض نقل القوات عبر الكويت ثم المرور عبر جنوب العراق باتجاه الحدود الإيرانية، وهو مسار ضيق وحساس أمنياً ويخضع لمخاطر لوجستية وعسكرية كبيرة. كما أن البديل البحري، أي تنفيذ إنزال برمائي على السواحل الإيرانية باستخدام قوات من مشاة البحرية الأمريكية، يواجه تحديات خطيرة أيضاً، أبرزها قدرة إيران الصاروخية الساحلية التي يمكن أن تستهدف السفن وقوات الإنزال قبل أن تتمكن حتى من تثبيت موطئ قدم على الشاطئ.
إلى جانب ذلك، تظهر مشكلة بنيوية أخرى تتعلق بالإمكانات البشرية والقدرات العملياتية المطلوبة لحرب واسعة النطاق. فالحروب الكبرى لا تُخاض فقط بالتكنولوجيا المتقدمة، بل تحتاج أيضاً إلى أعداد ضخمة من القوات القادرة على الانتشار والقتال لفترات طويلة. ويشير ويلكرسون إلى أن الولايات المتحدة لا تمتلك في الوقت الراهن القوة البشرية الكافية لعملية عسكرية بهذا الحجم، خصوصاً إذا أخذنا في الاعتبار ضرورة تأمين خطوط الإمداد وحماية القواعد العسكرية وإدارة العمليات في مسرح جغرافي واسع ومعادٍ.
تضاف إلى هذه العوامل طبيعة البيئة القتالية نفسها داخل إيران، إذ تمتلك طهران شبكة واسعة من القدرات الدفاعية والصاروخية إضافة إلى عقيدة عسكرية تقوم على استنزاف الخصم وإطالة أمد الصراع. وفي حال اندلاع مواجهة شاملة، فإن أي تدخل بري قد يتحول إلى حرب استنزاف طويلة، وهو السيناريو الذي تحاول الولايات المتحدة تجنبه منذ تجاربها المكلفة في الشرق الأوسط خلال العقود الماضية.
بناءً على ذلك، يبدو أن النقاش الذي يطرحه بعض الخبراء العسكريين الأمريكيين لا ينطلق من موقف سياسي بقدر ما يستند إلى قراءة واقعية لطبيعة الحرب الحديثة وتعقيدات الجغرافيا الإيرانية. فالتفوق العسكري لا يعني بالضرورة القدرة على تحقيق نصر سريع أو حاسم، خصوصاً عندما تكون ساحة المعركة دولة كبيرة ذات تضاريس معقدة وقدرات دفاعية متطورة. ومن هذا المنطلق، يرى هؤلاء أن أي تفكير في حرب برية ضد إيران يجب أن يأخذ في الحسبان ليس فقط إمكانية بدء الحرب، بل أيضاً صعوبة إنهائها بشروط تحقق أهدافها الاستراتيجية.
المصدر:
البوابة الإخبارية اليمنية